فهرس الكتاب
قيام النظام الأموي واحتدام الجدل الكلامي:
وبداية من العهد الأموي أخذت قضية القضاء والقدر تطرح نفسها بشكل تدريجي حتى غدت في القرن الثاني للهجرة -على يد المعتزلة- إحدى أهم المعضلات الكلامية.. وهنا نتوقف قليلًا لتحديد المنشأ التأريخي لهذه المعضلة.. فبالإضافة إلى تغيير الأمويين لنظام الحكم الإسلامي، مارس هؤلاء سياسة أرستقراطية استهجنها قسم غير ضئيل من الرأي العام الإسلامي (وخاصة المعارضين الشيعة والخوارج) في زمن انتشرت فيه الفتوحات الإسلامية وتنامت فيه التجارة البعيدة المدى وامتزج فيه العرب بأجناس وأعراق مختلفة. مما أحدث تغييرات جوهرية في تشكيلة المجتمع العربي -الإسلامي. وهنا وجد الأمويون -والقوى الاجتماعية المتحالفة معهم- أنفسهم في حاجة إلى أيديولوجيا تبرر مختلف اختياراتهم السياسية والاجتماعية التي وظفوها لخدمة أغراضهم الفئوية والتي خالفوا بها التصورات السياسية والاجتماعية التي كانت تسود صدر الإسلام (12) . وقد وضعوا -من أجل ذلك- جملة من التأويلات الفكرية للقرآن والسنة المحمدية. من ذلك تأويلهم للقرآن تأويلًا جبريًا يقضي بأن انتصارهم على أعدائهم وجلوسهم على كراسي الحكم وبأن سياستهم مهما عارضها المعارضون هي أمور قدرها الله منذ الأزل وحددها مسبقًا في عالم الغيب، فلا مجال لأي كان للاعتراض على مشيئة الله! ومن هنا كانت الأيديولوجيا الأموية تعارض حرية الإنسان في تقرير مصيره على الأرض وتدعو إلى الاستكانة والتسليم بالأمر الواقع. لذلك لم يكن من قبيل الصدف أن تنشأ -في أواخر القرن الأول للهجرة- حركة مضادة تدعو إلى الإيمان بحرية الإنسان في صنع مصيره على الأرض. ألا وهي الحركة"القدرية"التي كان معبد الجهني وغيلان الدمشقي أبرز روادها.