فهرس الكتاب

الصفحة 8607 من 23694

وهكذا أنتهي إلى القول: لقد بلغ المعتزلة -بفعل العوامل المذكورة- بعلم الكلام مرتبة قريبة من الفلسفة، إذا لم نقل: إنهم أقاموا صرح فلسفة شبيهة بفلسفات فيلون (25 ق.م- 50م) وكليمان (تـ 150م) والقديس أوغسطين الذين سخّروا أقلامهم للدفاع العقلاني عن معتقداتهم الدينية والذين فتحوا الباب أمام الفلسفات التوفيقية بين الدين والفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة. بيد أني لا أعتقد أن المعتزلة قصدوا -من خلال عقلنتهم للدين- التوفيق بينه وبين الفلسفة الإغريقية، بل أعتقد أن الدفاع عن الدين الإسلامي كان هدفهم الأول كما سبق أن بينت (23) .. ومع ذلك فقد ضيق المعتزلة -من خلال نزعتهم العقلية- الهوة القائمة بين المعتقد الديني والفكر الفلسفي بوجه عام. مما يعد تمهيدًا تاريخيًا لنشأة الفلسفة العربية- الإسلامية. أجل، فقد جاء الكندي -الفيلسوف العربي- الإسلامي الأول- ليصعّد الاتجاه العقلاني الذي انتحاه المعتزلة في تفهم أصول الدين الإسلامي. فعلى الرغم من كون الكندي أشد تأثرًا بالفلسفة اليونانية من المعتزلة إلا أنه حافظ على المقولة الدينية القائلة بخلق العالم من عدم محض، كما حرص على إسناد صفات الخلق والإبداع والقدرة والإطلاق إلى الله. ويمكن لأي دارس لمؤلفات الكندي الفلسفية أن يستنتج أن الفلسفة اليونانية لا تتناقض -في نظره- مع الدين الإسلامي. وهذا ما يطرح ضمنيًا إمكانية التوفيق بينهما، على الرغم من رجحان كفة المعتقد الديني -لدى الكندي- على كفة التصور الفلسفي. وهنا لابد من التأكيد على ظاهرة شديدة الأهمية في تفهم عملية التوفيق المذكورة؛ ألا وهي قابلية الفكر الفلسفي اليوناني لهذه العملية. إذ أن مهمة التوفيق التي خطا الكندي أولى خطواتها لم تشمل كل آثار الفلاسفة الإغريق، بل اقتصرت على مؤلفات أفلاطون وأرسطو وأفلوطين. وهي مؤلفات ذات طابع مثالي (ميتافيزيقي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت