فهرس الكتاب

الصفحة 8617 من 23694

والذي يؤخذ من هذه الأقوال التي توزّعتها كتب التراث أن معنى الجائزة يرتبط بعبور نهر، أي اجتيازه أو جوازه من الضفة التي كان يقف عليها الجند إلى الضفة الأخرى. ولمن يفعل ذلك هدية عينية، أو أعطية. والذي اختُلف فيه هو نوع المأخوذ، هل هو الماء أو المال؟‍ولعل المرجح هنا أن العطيّة كانت ماء، والذي نعتمد عليه في ذلك ثلاثة أدلة هي من القوة والوضوح بحيث لا تُدفع أو تُرد:

1-ارتباط القصة بجنود الفتح، فهؤلاء كانوا حملة رسالة وعقيدة، ولم يذكر التاريخ أو المؤرخون عنهم في خطوات الفتوح التي قطعوها أنهم اشترطوا، أو اشتَرَطَ علهيم قادتهم دفع الأموال حتى يقوموا بالجهاد بعد ذلك؛ بل لقد كانت الخطب وحدها كفيلة بتنافسهم على الإقدام والتفاني في التضحية، يعزز من إقدامهم إيمانهم بقدسية الشهادة وثوابها عند الله في الآخرة، وما بالمال وصل بهم طارق بن زياد إلى الأندلس مجتازًا"البحر"، لا النهر، ولا بجوائز المال وصل بهم محمد بن القاسم الثقفي إلى الهند، أو تجاوز بهم قتيبة بن مسلم الباهلي بلاد خراسان إلى حدود أفغانستان وروسيا. ويقوّي هذا الرأي ما أثبتناه من قول الأنباري:"فيقول للقيم على الماء: أجزني، أي أعطني ماء حتى أذهب لوجهي، وأجوز، ثم كثر حتى سموا العطية ماءً". وقول ابن منظور:

"أصل الجائزة أن يعطي الرجل الرجلَ ماءً ويجيزه ليذهب لوجهه، فيقول الرجل إذا ما ورد ماءً لقيّم الماء: أجزني ماءً، أي أعطني ماءً حتى أذهب لوجهي وأجوز عنك، ثم كثر هذا حتى سموا العطيّة جائزة" (9) .. أي أن الجائزة صارت تطلق على الماء نفسه، أو على ما يؤخذ منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت