فهرس الكتاب
وقد بلغت أخبار الاستعداد لهذه الحملة مسامع صلاح الدين، ونصحه بعض رجاله بتخريب عكا وتدمير أسوارها وإقامة عدد من المرابطين مكانها لخطورة موقعها على المسلمين إذا ما تملكها الصليبيون، غير أن صلاح الدين كان لا يميل إلى تخريب المدن العامرة (68) وفضل أن يزيد في استحكامات عكا ووسائل الدفاع عنها واختار لهذا الأمر الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي الذي سبق أن أدار السور حول القاهرة وبنى قلعة المقطم"فاستدعاه من مصر هو وأساتيذ العمل وأنفاره ودوابه وآلاته وأبقاره وفوض إليه عمارة عكا وعينه واليًا عليها". كذلك استدعى حامية من جنود مصر للمشاركة في الدفاع عن هذا الثغر (69) الهام.
ب-حصار عكا:
أخذت حشود الصليبيين وأساطيلهم تنزل تباعًا على عكا في سنة 585هـ/1189م ويقدر عدد سفنهم بما لا يقل عن 552 سفينة من مختلف البلاد الأوروبية، وهذا العدد كان يزيد بكثير على ما كان عند صلاح الدين من سفن حربية. وقد اعترف صلاح الدين بهذا التفوق البحري للعدو في بعض رسائله مثل قوله:"ومن خبر الكفار أنهم الآن على عكا يمدهم البحر بمراكب أكثر عدة من أمواجه، ويخرج للمسلمين منهم أمرّ من أجاجه... فإذا قتل المسلمون واحدًا في البر بعث البحر عوضًا عنه ألفًا" (70) .
على أن صلاح الدين لم يقف ساكنًا حتى تكتمل تجمعات العدو حول عكا بل سارع في مهاجمته، واستطاع فتح الطريق إلى المدينة لإمدادها بالمؤن والأسلحة والرجال، كما رتب اليزك الدائم (الحرس) لمنع العدو من الخروج من خيامه فانحصر فيها بحيث صار لا يخرج منها أحد إلا يقتل أو يجرح (71) .
وأظهرت حامية المدينة تحت قيادة قراقوش بطولة وشجاعة تسترعي الانتباه واستمر الوضع على هذا النحو والقتال دائر على عكا إلى أن كثرت جثث القتلى وجيف الدواب من الجانبين، وقد أفاد الصليبيون من هذا الانسحاب إذ تمكنوا من إطباق الحصار حول المدينة وقطع الطريق إليها (72) .