فهرس الكتاب

الصفحة 8670 من 23694

بتعبير آخر لم يؤمن القدماء بالتقدم إيماننا به اليوم، بل كانوا بالأحرى يؤمنون بالتقهقر وبأنه بعد العصر الذهبي الذي وجد قبل زمن طويل في الشرق الأوسط ما فتئ النوع البشري يتحدر من السيئ إلى الأسوأ. ولقد شذ استثناء واحد عن هذه القاعدة وهو رجل بلغ به التفاؤل حد الإيمان بالمستقبل. ذلكم هو الفيلسوف الروماني العظيم سينيكا القرطبي، الذي عبر عن حقيقة التقدم في مجال المعرفة تعبيرًا واضحًا جدًا (3) ومما لا شك فيه أن التقدم في هذا المجال أمر محسوس. إن وجوه النشاط العلمي هي وحدها بين الأعمال الإنسانية تتواتر وتتقدم، ولهذا السبب يجب أن يتركز تاريخ النوع البشري في تاريخ العلم.

وقد اتسعت فكرة التقدم شيئًا فشيئًا في العصور الحديثة فتجاوزت مضمار العلم إلى حياة الإنسان بأسرها، ووصل هذا الاتساع إلى ذروته في عهد الملكة فيكتوريا. فقد شاع في ذلك الوقت اعتقاد عام بأن العالم يسير يومًا بعد يوم نحو حياة أفضل، وأن النوع البشري وإن كانت روَّعته مصائب متلاحقة كالمرض والفقر والخطايا أو داهمته كوارث عارضة كالسيول والسنين المجدبة والحروب فقد كانت تلك المصائب تعتبر جانحة نحو الضعف والندرة. وإن جليلات الكوارث يمكن في آخر الأمر تحاميها. قلما كان يعكر صفو الناس إذ ذاك أمر، ونعمت الطبقة الرفيعة والطبقة المتوسطة في إنكلترة وأمريكة بيسر لم يجرؤ على نكرانه إلا النزر اليسير من الناس. وكان أهم اعتراض على هذا التفاؤل الغامر ما أورده إدوارد كاربنشر Edward Carpenter (1844-1929) في كتابه ذي العنوان المتحدي"المدنية سببها وعلاجها (1899) (4) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت