فهرس الكتاب

الصفحة 8671 من 23694

ومن الطريف حقًا أن المصلحين الذين كثيرًا ما نددوا بمصائب المجتمع ومظالمه كانوا متحمسين كبقية الناس يؤمنون مثلهم بأن العالم (على سوئه) يتقدم يومًا بعد يوم. بل إن رجال العلم إذ ذاك تجاوزوا في تفاؤلهم حدود الحكمة. بيد أن الكشوف الثورية التي تمت في نهاية القرن الماضي وغرة هذا القرن هشمت ذلك الاطمئنان العلمي وغدا أفاضل رجالات العلم أقل ثقة من أقرانهم في الماضي وأكثر تواضعًا (5) .

وقد تزعزع هذا التفاؤل الصلف عند أولئك الموسرين من الناس في إبان الحرب العالمية الأولى ثم انهار تقريبًا في غمار الحرب الثانية. وها نحن أولاء قد عدنا إلى موقف أقرب من الصواب.

إن التقدم لا يقتصر على مجال العلم وحده حيث يبدو واضحًا وإنما يتجاوزه إلى مجالات أخرى متعددة، ولكن يجب ألا نغالي في التفاؤل ذلك لأن كل تقدم اجتماعي إذا وجد كان دائمًا معرضًا للزوال وقد تساوره الكوارث فتقطع عليه سبيله أو تودي به. وقد يكون التقدم على مر الزمن حقيقة واقعة لا ارتياب فيها وأكيدة ولكن حياتنا شوط قصير وربما لا يساعدنا الجد أن نشهد ذلك التقدم، ان المدينة ليست مرضًا بل هي توازن دقيق جدًا قد ينقلب فيمسه الاختلال بطرق شتى. وكلما ازدادت المدينة اشتباكًا كان التوازن الذي ترتكز عليه أكثر وهنًا وأسرع عطبًا، وكلما سمت علوًا كان انهيارها أعظم، لقد كان انهيار ألمانيا واليابان عبرة للمعتبرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت