فهرس الكتاب
الأمر الثاني أن الرسول قد أعلن فريضة الحج على كل مسلم مرة في العمر على الأقل من استطاع إليه سبيلًا. لقد كان الحج أمرًا بسيطًا نسبيًا لسكان الجزيرة العربية مواطني الرسول، كان رحلة معتدلة الأمد في إقليم اعتادوه وألفوه (ولم يكن أحد يفكر إذ ذاك في سكان البلاد الأخرى) (24) ولكن لما أن انتشر المسلمون في بقعة كبيرة من الأرض صار الحج عند بعضهم فرضًا ثقيلًا. ربما استغرق عامًا أو أكثر وربما استلزم من المشقات وضروب الحرمان ما هو بعيد عن التصديق. وقد عمل على تأديته عدد مدهش كبير من الناس على رغم كل عقبة. وعلى أية حال فإن معظم الزعماء أدوه غالبًا أكثر من مرة. فقد حج أبو الفداء مثلًا ثلاث مرات على الأقل، وحج ابن بطوطة ست مرات (25) . وفي الموسم المخصص لأداء الواجب المقدس هذا تصبح مكة والمدينة وكأنهما مقر مؤتمر عالمي يؤمه أناس وحد بينهم الفكر فيجتمعون فيه ويتبادلون وجهات النظر. وليس الهدف من ذلك أن يلتقي كل حاج أريب بحجاج البلاد الأخرى وحسب فيوسع بذلك معرفته بالعالم الإسلامي أو ما يمكن دعوته (بدار الإسلام) بل كانت تلك المواسم المقدسة بما تثيره من حماسة عامة تقوي أيضًا إيمان الحاج بدينه وبوحدة أمته.