فهرس الكتاب

الصفحة 8683 من 23694

وإنه لعسير على المرء أن يتصور وسيلة أبسط وأنجع لضمان الوحدة الروحية لدى الجماعة المسلمة من هذه الوسيلة التي دعا لها الرسول قبل أن ينتشر المسلمون في البلاد الأجنبية والأقاليم البعيدة وتصبح الحاجة إلى الوحدة أشد مسًا وأكثر اقتضاء أضعافًا مضاعفة. وإن دارس الحضارة العربية ليعجب أشد العجب بالسرعة التي كانت تسري بها الثقافة من أقصى دار الإسلام إلى أقصاها. فعندما ازدهرت مثلًا فلسفة أخوان الصفا وعلمهم (في النصف الثاني من القرن العاشر) في البصرة عرفت ذلك إسبانيا في وقت جد قصير، وكذلك في المقابل سرعان ما انتشرت في سورية آراء ابن عربي الإشبيلي (26) الذي عاش (في النصف الأول من القرن الثالث عشر) إذ أقام بدمشق بعد أدائه فريضة الحج وبقي فيها حتى مات عام 1240. وقصارى ما يراه الباحثون في هذا الشأن أن الحج كان في القرون الوسطى يعادل ما ندعوه رحلات البحث وتبادل الأساتذة بين المعاهد وأمثال ذلك في عصرنا هذا، بل إنه ليفوق نسبيًا هذه الرحلات أهمية لأن وسائل الاتصال الأخرى (كالمجلات والصحف) لم تكن إذ ذاك معروفة. كان طالب العلم يستطيع أن يوفق بسهولة بين طلب العلم وبين الحج فيتوقف في طريقه مواقف متعددة ولفترات تتفاوت حسب الاقتضاء ليلتقي بأئمة العلماء في كل بلد ويأخذ عن مشهوري الأساتذة في حلقاتهم بالمدارس المختلفة وربما تزوج ثانية وثالثة كما فعل ابن بطوطة لعل هذا يخوله أن يمتاح من ينابيع جديدة للمعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت