فهرس الكتاب

الصفحة 8684 من 23694

الأمر الثالث هو فرض الصيام نهارًا لمدة شهر، فقد كان اختبارًا قاسيًا لكل مسلم ووسيلة ممتازة لقياس إيمانه وتقوية ذلك الإيمان. ولما كان التقويم الإسلامي قمريًا بحتًا فإن شهوره لا تعود في الفصول أنفسها وإنما تنتقل تدريجًا من فصل إلى فصل. وهكذا فإن رمضان ربما عاد في أي وقت من أوقات السنة وهو إذا وقع إبان القيظ غدا الامتناع عن الطعام والشراب طوال اليوم إعناتًا بل أمرًا عسيرًا ولاسيما على من يزاولون أعمالًا يدوية شاقة (27) . كذلك مثل هذا الشأن يمكن أن يصدق على الحج الذي تؤدى فريضته في شهر مسمى لهذا المقصد وهو ذو الحجة فهو يصبح فريضة شاقة تقتضي عنتًا حين يقع ذو الحجة في حمارة الصيف. إلا أن هذا لم يكن أمرًا بالغًا لدى الحجاج القادمين من البلاد البعيدة فقد يظلون على سفر سنة كاملة حتى يبلغوا مكة المكرمة وكان جهدهم الرفيع أشد مشقة إلا أنه أكثر فضلًا. والحاج اللبيب ليستطيع أن يقدر الفصل الذي يقع فيه ذو الحجة في دورة الأعوام المتتابعة وأن يؤقت زمن حجته حسب ذلك وله عندئذ أن يختار أفضل الأحوال يسرًا أو أشدها مشقة. فلقد كان الحجيج دائمًا فئتين: فئة دمثة الجانب تستحب أداء الفريضة بأيسر الجهود وفئة صلبة العود تؤثر التماس المشقة والتباريح ابتغاء زيادة الفضل والثواب.

لقد أدرك النبي مدى الحاجة إلى نظام قوي لدعم الإيمان وتنقيته. وشهور الصيام والحج تمرينات تهذيبية من الطراز الأول. إن كثيرًا من كنائسنا تدنت إلى حد التفاهة بسبب تساهلها وافتقارها للنظام وقلة ما تقتضيه من اتباعها. حسب هؤلاء أن يدفعوا أجور مقاعدهم في الكنيسة لكي يتبوؤوا مكانة ما من الصلاح. قد تكون أمثال هذه الكنائس مثرية ولكن لا طائل فيها. فإذا رمتم أن يكون اتباع الكنيسة مؤمنين لزمكم أن تفرضوا نظامًا متينًا وتسوموهم تضحيات حقيقية. لقد عرف محمد ذلك حقًا وإلى أقصى حد وهذه سمة أخرى لعبقريته النبوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت