فهرس الكتاب
الأمر الرابع أن الرسول حرم شرب الخمر قبل أن يهيئ كشف وسائل التقطير أو شيوع استعمال هذه الوسائل أشكالًا مركزة ومتوافرة من ذلك السم (28) وهنا أيضًا كان الرسول عالمًا بالغيب حين توقع آفات لما تذر قرونها إذ ذاك أو لم تكن على مثل انتشارها وخطرها اليوم. فلا مسلم إذن يشرب الخمر وضميره مطمئن فإن شربه فهو مرتد أو منافق (19) .
وخلاصة القول أن الرسول ( أذاع عقيدة التوحيد قبل مجيء طائفة الموحدين المسيحيين بما يناهز تسعة قرون وأعلن تفوق اللغة العربية دون أن يعرف لغة غيرها، وأنشأ مركزًا حضاريًا للإسلام قبل أن تبرز شدة الحاجة إلى مثل هذا المركز حين بدأ الناس يدخلون في الدين أفواجًا من مختلف الشعوب والعروق، وبادر إلى تحريم شرب المسكرات بزمن طويل قبل أن يصبح أو(يوشك أن يصبح) السكر كارثة كما هو في أيامنا هذه.
دعوني أؤكد هذه النقطة: لم يتح لنبي أن يحقق نبوته تحقيقًا تامًا كهذا الرسول. وبصورة خاصة قيض تنويهه بعلو اللغة العربية وبحاجة الدين إليها انتشارها الراهن وسيادتها قرونًا كثيرة (30) .
ولولا دفاعه الضمني عنها لبقيت العربية لغة قبلية لا شأن لها أو لاندثرت الاندثار كله على نحو ما تعرضت للزوال لغتا نصارى الشرق الأوسط المقدستان: السريانية والقبطية لما توانوا في أمرها. لم يكن محمد نبي الإسلام وحسب بل هو فوق ذلك نبي اللغة العربية والحضارة العربية بصرف النظر عن العروق والقوميات والأديان التي تنتمي إليها.