فهرس الكتاب

الصفحة 8706 من 23694

ليست المدينة مرضًا فيعالج، إنها معركة نضال مستمر. هي معركة ليست مضمونة العاقبة. فحريتنا ومعرفتنا وكل ما في حياتنا من نعم هي دائمًا رهن الاختبار. ينبغي أن نواصل البرهان على جدارتنا بتلك القيم وإلا فقدناها. إن تراخينا زلت أقدامنا. لا نهاية لكفاح الظلم والخطأ والقبح والفقر.

أنا لا أزال أؤمن بالتقدم إيمان سينيكالا إيمان إنصاف المتعلمين الذين يقيسونه بألفاظ التقدم المادي والرفاهية. إن التقدم المادي المحض مهلك بل إنه ليس تقدمًا على الإطلاق وإنما هو نكوص حقيقي. والتقدم الصحيح الذي معناه إصلاح لواقع الحياة لا يمكن أن يتخذ له أساسًا الشغف بالآلات والعُدد بل يجب أن يقوم على الدين والفن وفوق كل شيء على العلم، على العلم الخالص، وعلى حب الله وحب الحقيقة وحب الجمال وحب العدالة.

ويتضح ذلك اتضاحًا كافيًا حين ننظر إلى الوراء، من هم عظماء الرجال في الغابر؟ من هم أعلام المصلحين عندنا؟ لمن ندين بنعم حياتنا ومسراتها؟ كانوا رجالًا من أمثال أفلاطون وأرسطو وأقليدس وأرخميدس في اليونان القديمة وأمثال الفارابي وابن سينا وابن الهيثم والبيروني والغزالي وابن رشد وابن ميمون وأبي الفداء وابن خلدون في العصور الوسطى. لم يعش أولئك الرجال في معزل عن الحياة الاجتماعية، وكان الحكام والموسرون في أيامهم أعظم شهرة منهم بيد أن الحقيقة تجلت تدريجيًا وها نحن أولاء لا نذكر من الرجال إلا هؤلاء وأمثالهم، أما الملوك والسلاطين والوزراء فقد غدوا نسيًا منسيًا. لقد كان الحكام وموظفوهم يعملون ليومهم أو لعامهم أما العلماء ورجال المعرفة فقد كانوا يعملون للخلود. وإننا لنشعر شعورًا عميقًا بما ندين به لهم ونقرّ بفضلهم علينا. والذي يتضح حين ننظر إلى الوراء ينبغي أن يتضح مثله تمامًا حين ننظر إلى الأمام فيهدي خطانا إلى المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت