فهرس الكتاب
كثيرًا ما يتحدث الناس عن التفاوت بين الشرق والغرب، هذا التفاوت قائم إلا أنه أقل أهمية جدًا من التفاوت بين المادية والنفعية من جهة وبين المثالية من جهة أخرى. فهذا التفاوت الثاني مستقل عن الزمان والمكان. ولقد وجد ويمنك أن يوجد في كل زمان ومكان. لعل بعض الناس يريد منا أن نعتقد أن سكان الشرق الأوسط مثاليون وأن سكان الغرب ماديون وذلك يفسر لم أثرى الغربيون وافتقر الشرقيون. بيد أن هذا بعيد عن الحقيقة. ففي الغرب فقر كثير وفي الشرق غنى واسع. ولكن ربما كان التباين على وجه العموم بين الغنى والفقر في الشرق أعظم منه في الغرب، وأن أثرياء الغرب عامة أكثر كرمًا وحبًا للخير وأعظم حكمة في إحسانهم من أثرياء الشرق الذين يتسم سخاؤهم المباهاة والتفاخر.
ومع أن الشرق الأوسط كان مهدًا لدياناتنا ومثلنا العليا في العلم والفن فإنه من الخطل أن نقول أنه اليوم أشد مثالية من الغرب. يصبح هذا القول تملقًا أكثر منه صدقًا ومثل هذا الملق أذيته أشد من نفعه. في رأيي أن الشرقيين لا يختلفون في الجوهر عن أولئك الغربيين. في كل بلد يجد المرء درجات السلم تامة. من أوج الولاية إلى حضيض الفساد. ندر من هو صالح جدًا وكذلك ندر من هو فاسد حقًا. والغالبية العظمى ضحايا الظروف والملابسات، قد تسمو بهم العدالة واللطف سموًا لا يضاهى كما قد يطوح بيسر بهم البؤس والشر والكذب. تبقى المسألة الرئيسية في عالم اليوم (بل في كل زمان) مسألة رفع المستوى الروحي للجماهير (66) فإذا أخفقنا في رفع هذا المستوى انقلبت كل مزايا مدنيتنا المادية عليه، فحطت منه وحطمته. إذا جعلنا قيمنا الأساسية العدالة والإحسان والحقيقة نجونا، وإذا جعلنا قيمنا الأساسية الراحة والمال حاق بنا الهلاك.