فهرس الكتاب
أما التجار الدمشقيون من اليهود فإنهم معروفون بثرثرتهم وغالبًا ما يملُّ الأجانب من مجاملاتهم السمجة المفرطة، وهم يلاحقون السائح الأجنبي في أنحاء السوق ويحاولون فرض أنفسهم عليه باللطف أحيانًا وبالوقاحة أحيانًا أخرى باعتبارهم وسطاء"أمينون"ويملكون من الفن ما يُبهر البصر، وتنتهي هذه التمثيليات دائمًا بعد أن يُرهق الأجنبي من التعب وتُصمُّ آذانه من الثرثرة، بأن يقطروه لشراء شيء منهم أغلى من ثمنه الحقيقي بخمس أو ست مرات.
ولابد من الإشارة إلى أن الأقمشة والأحزمة وعدة الخيول والسجاجيد ممتازة جدًا في أسواق دمشق، وتستحق الاهتمام. وإذا تحلّى السائح بالصبر ولم يقتصد بالوقت، واستطاع التحدث مع الباعة طوال النهار، واحتسى معهم بعض أقداح القهوة المرة، أمكنه بعد ذلك الحصول على بعض السلع النادرة، وخاصة تلك السجاجيد الرائعة ذات الألوان المنسجمة الخلابة، المصنوعة من بلاد فارس، أو في جبال آسيا الصغرى أو كردستان. ونصيحتنا بألاَّ يتسرع السائح، لأن من عادة الباعة أن يعرضوا على الزبائن في البداية أسوأ ما لديهم لكي يمتحنوه ويقدروا خبرته وذكاءه، فإذا حمد لهذا الامتحان يبدأ الباعة بعد ذلك بإظهار السلع الجميلة من مخبئها.
والعمال الدمشقيون المهرة يصنعون كميات كبيرة من"الكوفيات"التي يرتديها السكان رجالًا ونساء، ويغطون بها رؤوسهم، ذلك أن العمامة الضخمة الحقيقية لا تُرى إلا نادرًا في دمشق. وتُصنع الكوفيات من الحرير المقصب والمقلم بخطوط غامقة بلون الذهب أو اللون البني والأخضر والأحمر. وأحيانًا تكون مزركشة بالقصب الذهبي، ويتدلى من أطرافها الأهداب بأناقة فوق جبهة المرأة أو وراء عنقها. ويرتدي الرجال تحت الكوفية"طاقية"من القماش الملون أو المزركش بالحرير الأزرق أو المذهب.