فهرس الكتاب
وإنه لمن سوء الحظ أن النفوذ الأجنبي أخذ يتسرب إلى هذا الفن المحلي العريق، وقد أفسده الأوروبيون الذين أوصوا على مقاعد (أرائك) ومناضد لغرف الاستقبال، مما لا ينسجم أبدًا مع التزيينات والهندسة العربية السائدة. وتجدر الإشارة هنا أن المثلثات الصدفية والقطع العاجية التي ترصع بها"السكملات"تغرس حولها خيوط طويلة من الأنيان الذي يعطي تأثيرًا جميلًا ليتلاءم مع لون خشب الجوز الرمادي -أو المائل للاحمرار، أو خشب البيلسان الفاخر البنفسجي اللون، ويُدخل العمال الدمشقيون هذه الخيوط المعدنية في الخشب ثم يلمعون سطح المنضدة لإزالة الأجزاء الصغيرة النافرة.
وفي العديد من الدكاكين الدمشقية الصغيرة المنتشرة في الشوارع الرئيسية يقوم الجزارون بشواء اللحم على الفحم الخشبي، لأن اللحم يعتبر الغذاء الأساسي لجماهير الناس الذين يتجولون دون انقطاع بين الحوانيت. وأمام دكان الجزار يوجد عادة"منقل"معدني مليء بالفحم المتأجج (المتوهج) وتُسند فوقه بشكل أفقي السياخ المحملة بقطع اللحم الصغيرة، وفوقها مروحة من المعدن الأبيض تتحرك بقوة تيار الهواء الساخن المتصاعد من المنقل.
وهناك دكاكين خاصة لباعة الحلويات (المعجنات) وهي مصنوعة بنظافة وإتقان، ولها أنواع كثيرة لذيذة الطعم.
كما نشاهد الفواكه المجففة منقوعة في حلة جميلة مفضضة ومغموسة بالقشطة والحليب الذي يتفنن الدمشقيون بصناعة أشكال متعددة منه.
وعلى الأرصفة وداخل بعض الدكاكين يقدم بعض الباعة عصير الليمون (الليموناضة) المثلج بكؤوس أنيقة، للجماهير الحاشدة التي تغص بها شوارع دمشق. كما يقدم الماء البارد مضافًا إليه كمية من ثلج جبل الشيخ. ويسمع الباعة وهم ينادون دون انقطاع: برِّد قلبك، وأطفئ عطشك، وينبهون المارة بين لحظة وأخرى بأنغام قوية رتيبة تنبعث من كأسين نحاسيين يصفقون بهما بيد واحدة.
المكتبات: