فهرس الكتاب
وفي أحد الأيام ذهبنا لزيارة الأمير عبد القادر الجزئراي في القرية التي يملكها بالقرب من مدينة"دُمَّر". وتقع هذه القرية على ضفة نهر بردى وهي مغروسة بالأشجار وتتخللها عدة سواقٍ ذات مياه نقية باردة يُسمع خريرها على الدوام. أسرع الأمير لاستقبالنا بعد أن أحيط علمًا بزيارتنا ورحب بنا بحرارة، ثم جلس إلى جانبنا، ثم أخذ يسألني بكثير من اللطف عن حوادث ومشاق الرحلة التي قمت بها. ولاحظت بأنه يعرف الفرنسية ويفهمها ولكنه لا يرغب باستخدامها، لذلك طلب من مترجم القنصلية بأن يقوم بترجمة حديثه معنا. وبعد فترة مجاملة أدت إلى كسر الجليد بيننا، أخذ الحديث طابعًا جديًا وهامًا، فإذا بالأمير يتعرض للوضع السياسي في سورية وفرنسا وأوربا بشكل عام. وكان في تعليقاته شديد التحفظ، ومع ذلك لم يكن يصعب علينا التكهن بحقيقة تفكيره (؟؟) .
يرتدي الأمير بُرنسًا جزائريًا أبيض اللون يساعد على إبراز عينيه الواسعتين اللتين تقدحان الشرر، ولحيته المصبوغة باللون الأسود الغامق، وطلعته الجميلة الشاحبة التي يعرفها جميع الفرنسيين، وقد بدا على الأمير انه لا يزال فتيًا رغم تجاوز سنه الخامسة والستين، وأذكر أنه قطع زيارتنا أكثر من مرة لكي يؤدي الصلاة في أوقاتها إلى جانب إحدى أشجار الحديقة بكل تواضع وخشوع خالٍ من الأبهة.
وفي الوقت الذي كنت ورفاقي نجري الحديث معه، كانت زوجاته وزوجة ابنه يستقبلن زوجتي ويجلسن في أحد أركان"البستان"فوق سجادة ويدخن الأركيلة والسجائر ويتمتعن بنسمات وادي بردى المنعشة كانت نساء الأمير يرتدين الألبسة الأوربية ويزيّن رؤوسهنّ بتيجان من الورد الصناعي.