فهرس الكتاب
إن الحقد الشديد الذي يحمله سكان دمشق ضد الأجانب يرجع بكل تأكيد إلى النضال الذي خاضوه ضد الصليبيين، ومنذ ذلك الوقت احتفظ هذا الحقد بكل قوته وهو يتجدد دائمًا وتغذيه رحلات الحجاج إلى قبر الرسول (( ) والصحابة (رضي الله عنهم) في مكة (المكرمة) ، وغالبًا ما يعود هؤلاء إلى بلادهم في أطراف آسيا وجزء كبير من أفريقيا ينادون بالحرب المقدسة ضد الأوربيين.
والحقيقة التي لمسناها هذه الأيام (1880م) إن المواطنين المسيحيين والأجانب يتمتعون بكامل حرياتهم ويمكنهم التنقل والعمل في كل أنحاء مدينة دمشق بكل أمان واطمئنان.
يقدر عدد سكان مدينة دمشق بما يزيد عن (140.000) نسمة (مائة وأربعون ألف نسمة) ، ونسبة المسلمين منهم حوالي (90%) أما الباقون فهم من المسيحيين اليونان (33) ، والموارنة، والكاثوليك.
وسكان دمشق ميالون بشكل عام للشغب (34) شأنهم بذلك شأن بقية سكان المدن الكبرى في الشرق. ففي عام 1860 نشبت الفتنة ضد المسيحيين في لبنان فامتدت إلى دمشق ومع ذلك لابد من التأكيد على أن هذه الفتنة ما كانت لتقع لولا تشجيع ومساعدة العساكر والإدارة التركية في المنطقة. ففي دمشق وحاصبيا ومعظم المناطق اللبنانية كان الجيش العثماني هو الذي أعطى إشارة البدء بالمذابح (هام) والسبب الحقيقي كان ثورة جيش الهند الإنكليزي وما ترتب على ذلك من إثارة للمشاعر في جميع أنحاء العالم الإسلامي (35) ، ولم يكن النزاع القديم بين الموارنة والدروز سوى أحد الأسباب الظاهرية. ويقال أن المسيحيين قتلوا بناء على أوامر مباشرة من حاكم دمشق العثماني"أحمد باشا".
وقد أكدت الأحداث التي تلت"الفتنة"لجميع المسلمين أن"الباب العالي"في القسطنطينية مستعد للتخلي عنهم عاجلًا أم آجلًا، ولذلك أخذت الحركات السياسية والجمعيات الدينية في سورية تدعو في حال انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى نقل العاصمة إلى دمشق المدينة المقدسة التي لم تدنسها قوات الغزو الصليبية!.