(وفي ليلة 830) قالت بلغني أيها الملك السعيد، أن الخولي قال لنور الدين: إن كنت تهيبت شرب الخمر من مرارته فاشرب الآن فقد حلا، فعند ذلك أخذ نور الدين القدح وشربه، ثم ملأ الكأس واحد من أولاد التجار، وقال ياسيدي نور الدين أنا عبدك، وكذا الآخر قال أنا خدامك، وقام الآخر وقال من أجل خاطري، وقام الآخر وقال: بالله عليك يا سيدي نور الدين اجبر بخاطري، ولم يزل العشرة من أولاد التجار بنور الدين إلى أن أسقوه عشرة أقداح كل واحد قدحًا، وكان نور الدين باطنه بكر عمره ما شرب خمرًا قط إلا في تلك الساعة، فدار الخمر في دماغه وقوي عليه السكر، فوقف على حيله وقد ثقل لسانه واستعجم كلامه وقال يا جماعة والله أنتم ملاح وكلامكم مليح ومكانكم مليح، إلا أنه يحتاج إلى سماع طيب، فإن الشراب بلا سماع عدمه أولى من وجوده، كما قال فيه الشاعر هذين البيتين:
أدرها بالكبير وبالصغير
ولا تشرب بلا طرب فإني ... رأيت الخيل تشرب بالصفير
فعند ذلك نهض الشاب صاحب البستان، وركب بغلة من بغال أولاد التجار وغاب ثم عاد ومعه صبية مصرية كأنها ليَّة طرية أو فضة نقية أو دينار في صينية أو غزال في برية!! بوجه يخجل الشمس المضيئة وعيون بابلية، وحواجب كأنها قسي محنية وخدود وردية وأسنان لؤلؤية ومراشف سكرية، وعيون مرخية ونهود عاجية وبطن خماصية [6] وأعكان مطوية وأرداف كأنهن مخدات محشية، وفخذين كالجداول الشامية وبينهما شيء كأنه صرة في بقجة مطوية، كما قيلت فيه هذه البيتين: ... رأوا وجهها من دون أصنامهم ربا
ولو أنها للمشركين تعرضت
ولو أنها في الغرب لاحت لراهب ... تخلى سبيل الشرق واتبع الغربا
ولو تَفَلَت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
وتلك الصبية كأنها البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر، وعليها بذلة زرقاء بقناع أخضر فوق جبين أزهر وتدهش العقول وتحير أرباب العقول، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ... لازوردية كلون السماء