هذا والخليفة الذي بذل كثيرًا في عمارة القصور واحداق الحدائق وإقامة المنازه ومواطن الاستجمام جعفر المتوكل العباسي. وقد تغنى شاعره ونديمه الوليد بن عبادة البحتري الشامي الأصل في جملة أشعاره بتلك المنازه والحدائق والقصور في مدينة سامراء [7] . ونجد أوصافًا لها في كُتُب التاريخ ومعجم البلدان وغيره من الأسفار. ولكنا نؤثر أن نتصفح طائفة من تلك الأشعار تتضمن تلميحات مفيدة وإشارات معبرة عن تكوين تلك المواطن ومافيها من مرافق ومفاتن.
من تلك الحدائق الواسعة حير الحيوان يقع خارج مدينة سر من رأى على شكل مستطيل تقريبي طول محيطه نحو ثلاثين كيلو مترًا ومساحته تناهز ثلاثة وخمسين كم2 وفي هذا الحير من الحيوان ما يقرب عدده من ألفين.
أشار إلى ذلك أبو عبادة في قصيدة يمدح بها المتوكل غير قصيدة البركة المشهورة ولكنها على الوزن والقافية أنفسهما يشبه ملكه بملك سليمان الذي خضع له الوحش والناس:
ملك كملك سليمان الذي خضعت
وطاعة الوحش إذ جاءتك من خَرِق ... أحوى وأدمانه كُحْل مآقيها
كالكاعب الرود يخفى في ترائبها ... رَدْعُ العبير ويبدو في تراقيها
ألفان جاءت على قدر مسارعةً ... إلى قبول الذي حاولْتَه فيها
إن سرت سارت وإن وقَّفتها وقفت ... صورًا إليك بألحاظ تواليها
يَرِعْنَ منك إلى وجه يرين له ... جلالة يكثر التسبيح رائيها
حتى قطعت بها القاطول وافترقت ... بالحير في عرصة فيح نواحيها
فنهر نيزك ورد من مواردها ... وساحة التل مغنى من مغانيها
لولا الذي عرفته فيك يومئذٍ ... لما أطاعك وسط البيد عاصيها
هذا ونهر نيزك الذي ذكره الشاعر حفره المتوكل ليروي الحير [8] . ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
وقد أشار البحتري إلى وحش القصر في قصيدته التي رثى بها المتوكل:
ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه