ويبدو من أشعار البحتري أن تلك الحيوانات كانت تعيش في الحير عيشة قريبة من حياتها في مواطنها الأصلية. وكان مع تلك الحيوانات ليوث ضارية. وقد وصف الشاعر الغابة المرتفعة المشتبكة التي تعيش فيها الليوث وتقوم على نهر نيزك نفسه وذلك حين مدح الفتح بن خاقان وزير المتوكل، ونديمه فنوّه بمنازلته لأحد تلك السباع وبجمال تلك الغابة: ... يحدد نابًا للقاء ومخلبا
غداة لقيت الليث والليث مخدرٌ
يحصنه من نهر نيزك معقل ... منيع تسامى غابه وتأشبا
يرود مغارًا بالظواهر مكثبًا ... ويحتل روضًا بالأباطح معشبا
يلاعب فيه أقحوانًا مفضضا ... يبصُّ وحوذانًا على الماء مذهبا
إذا شاء غادى عانة أو عدا على ... عقائل سرب أو تقنَّص ربربا
يجر إلى أشباله كل شارق ... عبيطًا مدمَّى أو رميلًا مخضبا
شهدتُ لقد أنصفته يوم تنبري ... له مصلتًا عضبًا من البيض مقضبا
فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكًا إذا الهيَّابة النكس كذَّبا
هزبر مشى يبغي هزبرًا وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا
أدلَّ بشغب ثم هالته صولة ... رآك لها أمضى جنانًا وأشغبا
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعًا ... واقدم لما لم يجد عنك مهربا
فلم يُغنه أن كرَّ نحوك مقبلا ... ولم ينجه أن حاد عنك منكِّبا
حملت عليه السيف لا عزمك أنثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حدُّه نبا
لم يكن الحير مجرد حديقة حيوان ولا مكان للصيد والقنص وإنّما كان منتزهً للخليفة وموطن لهو واستجمام ... نعم ونسألها عن بعض أهليها
وكان ثمة قصر للمتوكل في جنوبي الحير كشفت أثاره ولعل هذا القصر قد أنشئ جريًا على عادة الفرس القدماء، إذ كانوا يجعلون حير الوحوش متصلًا بالقصر الملكي، والفتح بن خاقان فارسي الأصل من أبناء الملوك، وهو أديب وشاعر ومؤلف، وقد قتل مع المتوكل عند نكبته واستطاع البحتري أن يفلت إذ ذاك.
أما بركة البحتري التي اشتهرت بوصفه لها فكانت أمام القصر الملكي في جانب من جوانب الحير. وشعره فيها من القصيدة التي يمدح بها المتوكل وأولها: