لقد استطاعت بعض القبائل العمورية، الآتية من جزيرة العرب، أن تنشئ في أواخر القرن الثالث ق.م، عدة ممالك في أرض الرافدين في بلاد الشام، وأصبحت تلك الممالك همزة الوصل بين حضارتي تلك البلاد.
وتعتبر يمحاض، وعاصمتها حلبا، من أهم تلك الممالك، ويليها مملكة ماري (في تل الحريري) قرب البوكمال، ومملكة قطنة (في تل المشرفة) شمال حمص، ومملكة ايبلا (في تل مرديخ) جنوب حلب، ومملكة ألالاخ (في تل عطشانة) قرب أنطاكية.
وفي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد ازدهرت على سواحل بلاد الشام حضارة ذات أصل كنعاني (فلسطيني) ، هي حضارة الفينيقيين، الذين أنشأوا أسطولًا بحريًا وبنوا عدة مرافئ كان لها تأثير كبير في نشر التجارة وصناعة السفن والتعدين بين أقطار البحر الأبيض المتوسط. إلا أن ظهور اليونانيين كقوة عسكرية بحرية نافست الفينيقيين وأجبرت بعضهم على النزوح، في القرن الثامن قبل الميلاد، إلى سواحل أفريقيا الشمالية، حيث أسسوا دولة قرطاجة.
لقد أخذ الفينيقيون معهم إلى المستعمرات الجديدة خلاصة ما توصلوا إليه من خبرة في علوم الملاحة والتجارة والتعدين، بالإضافة لعلم الفلاحة. واشتهر منهم ماجو القرطاجي. الذي ألَّف أول موسوعة في علم الفلاحة، ترجمت إلى اللغة اللاتينية عقب سقوط قرطاجة بيد الرومان عام 88م، وفي بلاد سومر ظهرت المبادئ الأولية لعلم الفلاحة مدونة على ألواح طينية بالخط المسماري. ويعود تاريخ تلك الألواح إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد. ومما يلفت النظر أن كاتب تلك الوثيقة، المؤلفة من نصائح يقدمها فلاح لابنه، وتتعلق بحرث الأرض وسقيها وحمايتها... .قال في آخرها:"إن المبادئ الزراعية الواردة فيها ليست من ابتكاره، وإنما هي مبادئ وضعها الإله نيمورتا، الفلاح الحقيقي ، وهو ابن كبير الآلهة السومرية أنليل".