"إن ابن العوام قد اختصر هذا الكتاب، واكتفى منه بالقسم الخالي من السحر، وبقي الفن الآخر مغفلًا حتى جاء مسلمة المجريطي، فنقل منه في كتبه السحرية أمهات من مسائله".
لقد أخطأ ابن خلدون بالحقيقة في ترتيب الحوادث التاريخية وتسلسلها، ذلك لأن مسلمة المجريطي عاش في القرن الرابع الهجري، وهو أول من أدخل كتاب الفلاحة النبطية إلى الأندلس، فاستفاد مما ورد فيه من أمور تتعلق بالسحر والصنعة وعلم التنجيم، ووضع كتابًا عنوانه (غاية الحكيم) ، أما ابن العوام فقد عاش في القرن السادس للهجرة وألَّف كتابه الفلاحة الأندلسية.
ـ يتألف كتاب الفلاحة النبطية من مقدمة وثلاثة عشر بابًا. وقد وجه ابن وحشية كلامه في مقدمة كتابه إلى ابنه مبينًا له الأسباب التي دعته إلى ترجمة ونقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية. لقد أراد ابن وحشية أن يطلع العرب على تراث أجداده من الكلدانيين، وهم أنباط العراق، وأن يثبت للعرب تفوق شعبه في علوم نافعة وغامضة، عجزت بقية الأمم عن معرفتها واستنباطها.
بدأ ابن وحشية في الباب الأول من كتابه بالكلام على شجرة الزيتون، وبيَّن أوصافها والطرق المستعملة في زراعتها والعناية بها، وتغيير صفات ثمارها بالانشاب والتركيب، واعتبرها من النباتات الخاضعة لتأثير زحل. ثم تكلم على المياه وأنواعها، وحفر الآبار وتحسين غزارتها وطعم مائها. وانتقل بعد ذلك للكلام على النباتات ذوات الأزهار العطرية، وعددها أحد عشر بابًا، ثم تكلم على النباتات الطبية والتزيينية، وعددها ثلاثة وعشرون نباتًا ـ وخصص الباب الخامس للكلام على ما يحتاجه كل مزارع من معلومات تشمل: العلاقات الزراعية ـ التنبؤ بأحوال الجو وعلامات المطر ـ معرفة ما يصلح من الزرع لكل نوع من أنواع الأراضي، مع دراسة فيزيائية لأنواع الأراضي ـ إصلاح الأراضي بأنواع الدبال مع ذكر الطرق المختلفة للتخلص من الأعشاب الضارة.