يشمل كتاب الفلاحة النبطية مواضيع مختلفة وهامة، ويحتاج كل باب فيه لبحث مطول. وقد قام فعلًا عدة علماء وباحثين، عرب وأجانب، بدراسات شمل بعضها النواحي الدينية، واهتم بعضها بعلوم الفلك والتنجيم والأنواء... إلا أن تلك الأبحاث لا تؤلف إلا جزءًا بسيطًا مما جاء في هذا المؤلف الضخم. ولما كان الباب الثاني عشر، وهو المخصص للكلام عما يسميه ابن وحشية (الفن العظيم) ، لم يدرس على ضوء الأبحاث العلمية الجديدة، لذلك سأخصص له جزءًا من دراستي في نهاية المقال.
ب ـ كتاب الفلاحة اليونانية Geoponics: ظهر في بلاد الشام خلال القرن الرابع للميلاد كتاب في الفلاحة باللغة اليونانية، ينسب إلى اناطوليوس البيروتي، ويتألف من اثني عشر جزءًا، وقد فقد الأصل اليوناني لهذا الكتاب، إلا أن الأب بولس سباط أعلن في محاضرة ألقاها في المعهد المصري بالقاهرة، عام 1930، أنه عثر على مخطوط عنوانه (كتاب فلاحة الأرض لابطراليوس) ، ثم قال إن هذا الاسم محرَّف وأصله أناطوليوس Anatolius. والمخطوط جيد وفريد، كتب في منتصف القرن التاسع للهجرة، وقد جاء في مقدمته:
"هناك كتاب لابطراليوس الحكيم، جمعه من حكمة حكماء القدماء، الذين جربوا الأمور في سالف الدهور... وهو من الحكمة التي استخرجها بطرك الاسكندرية ومطران دمشق (أوسطاث الراهب) ، ليحيى بن خالد بن برمك. وفسره من الرومي إلى العربي في شهر ربيع الآخر عام 179هـ."
ويضيف الأب سباط أن بطرك الاسكندرية هو بليطان Politanus، الذي اشتهر زمن الخليفة هارون الرشيد، وقام بشفاء إحدى نسائه. توفي عام 186هـ فخلفه الراهب أوساطاث Eustache الذي بقي بطركًا حتى وفاته عام 190هـ.