لقد تناقص عدد السكان كثيرًا في المدن والأرياف، من جراء القتل والسبي والأسر والهجرة. ولكن أراضي بلاد الشام المشهورة بخصبها ووفرة مياهها استعادت خضرتها ورونقها، فجذبت إليها اليد العاملة لإعمارها وزرعها. ولكن الخبرة في فلاحة الأرض وإصلاحها قضت عليها الويلات، لذلك كان لابد من وضع مؤلفات في علم الفلاحة لترشد الجيل الجديد إلى الطرق الصحيحة في ممارسة مختلف الأعمال اللازمة للاستفادة من الأرض.
لم يظهر في بلاد الشام زمن الحكم الأموي أو العباسي أي كتاب حديث التأليف، يبحث في علم الفلاحة، ذلك لأن العاملين في الإنتاج الزراعي كانوا غالبًا من أصحاب البلاد القدماء، الذين اكتسبوا خبرة بالوراثة والتجربة، واعتادوا طرقًا ثابتة في خدمة الأرض، وانتخاب أنواع المحاصيل، وتعيين أوقات زرعها وكيفية العناية بها.
لقد قمت بالبحث عن الكتب المؤلفة في علم الفلاحة، والتي ظهرت بصورة عامة في بلاد الشام، فوجدت أربعة كتب هامة صنفت خلال الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والثاني عشر للهجرة. وسأتكلم فيما يلي بصورة موجزة على أهم المواضيع التي طرقت في تلك المؤلفات، مع ذكر أهميتها بالنسبة للعلوم الزراعية الحديثة.
آ ـ كتاب الدر الملتقط من علم فلاحتي الروم والنبط:
يقول الدكتور أحمد عيسى في مؤلفه تاريخ النبات عند العرب أنه يوجد في دار الكتب بالقاهرة نسختان مختلفتان من هذا الكتاب، مقيدتان تحت رقم (21) ، و (84) ، ولا يوجد فيهما تاريخ للنسخ. أما مؤلف هذا الكتاب فهو محمد بن أبي بكر بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي، المعروف بشيخ حطين.