فهرس الكتاب

الصفحة 8971 من 23694

وننهي هذه الفقرة باستعراض فكرتين أو ثلاث أفكار، قريبة إلى أفكارنا الحديثة قربًا يدعو إلى الدهشة، وهي من نتاج علم الزراعة العربي. وهنالك على سبيل المثال التعريف بعلاقات التقارب والتنافر فيما بين النباتات أو بين النباتات والإنسان. من ذلك أن هذه الشجرة تميل للضمور والذبول إذا زرعنا الملفوف بالقرب منها، وأن تلك أخرى تميل إلى جذع شجرة قريبة معانقة إياها، لشدة الميل الذي يشد كلًا منهما نحو زميلتها. وكان عالم الزراعة العربي يعلم أيضًا أن بعض النباتات جنسية التكوين، كشجرة التين مثلًا، وأنه بالتالي يستطيع التأثير في إخصابها. بل وكان على المزارع أن يشعر بعلاقة شخصية تربطه بأرضه ومافيها من نباتات، ويفترض فيه على ذلك أن يدخل إلى حقله وقد تطهر عقله وجسده من كل درن فيجب عليه التحدث مع نباتاته، وتشجيعها، وحتى تهديدها كي يهبها قوة إضافية لمزيد من الإنتاج. ولابد لنا من الإشارة إلى أن تلك الأفكار مستمدة من نصوص مابين النهرين المتأخرة بالمعتقدات الفارسية السابقة للإسلام. مثلما كانت بعض الأفكار ثمرة معرفة تجريبية دقيقة لوقائع أثبتها البرهان العلمي حديثًا، مثل ظاهرة التقارب والتنافر بين النباتات، على وجه الخصوص:

لقد اخترنا أن نستعرض هذه الجوانب من التراث الزراعي بالعائد إلى القرون الوسطى لأننا بذلك سوف نتمكن الآن من تناول طبيعة مساهمة وتأثير ذلك التراث في الحضارات الغربية تناولًا أدق وأوضح.

ومن المفارقات المثيرة للدهشة والاستغراب أن المؤلفين لا يشككون إطلاقًا بمقدار ونوعية تلك المساهمات ولكنهم لا يخصونها إلا بفصل واحد غالبًا ما يكون قوامه الاختصار

والتكرير في مؤلفاتهم عن تأثير الحضارة العربية الإسلامية في أوروبا، بينما تراهم يشككون، وغالبًا في الكتاب ذاته، بإمكانية اهتمام العرب بالزراعة، وبجدية وحقيقة ذلك العلم الزراعي لديهم!...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت