لقد تعرضت زراعة حوض البحر الأبيض المتوسط لانقلاب جذري، وتمايز علم الزراعة تدريجيًا عن بحوث الطب و النبات ليصبح في إسبانيا (11) ، علمًا يتمتع باستقلال كامل. ويعود الفضل الأكبر في ذلك إلى اهتمام الأمراء الشرقيين الذين ألَّفوا، هم أنفسهم، دراسات في الزراعة، كما كانوا يستحصلون على مثل تلك الدراسات لمكتباتهم، ويبذلون ما وسعهم من جهد للاستفادة من خدمات ومعارف أشهر الزراعيين آنذاك. ولكن من الواضح مع ذلك أن تطور الإنتاج الزراعي، وتقدم التقنيات، كان مردهما كما سبق أن أشرنا توحيد المناطق الشاسعة التي أصبحت تخضع لقانون واحد، وتتكلم لغة واحدة، وداخل تلك الرقعة الجغرافية المترامية كان هناك تبادلات كثيفة: اقتصادية، واجتماعية، وثقافية؛ وزاد من فعالية التطور امتداد تلك الرقعة شرقًا حتى الصين، وغربًا باتجاه العالم الأوروبي المشبع بتراثه الإغريقي أو اللاتيني.
على أن القسم الشمالي من أوروبا الغربية، في العصر الوسيط وما بعد الوسيط، لم يتيسر له مع ذلك الانفتاح على تلك التأثيرات الثورية نتيجة لوضعه الخاص القائم على التخلف الزراعي، وغياب الدول المركزية، وفقدان الأمن في الأرياف والقرى بسبب التنافس الإقطاعي، والاجتياحات العسكرية المختلفة، وهيمنة قطاع الطرق ومحصلي الأتاوات من كل نوع وصنف. ويصدق ذلك أيضًا على بعض المناطق التي كانت على تماس كبير ومباشر مع البلدان الإسلامية، كجنوب فرنسا، وكانت تعرف آنذاك باسم بلاد الأوكستيان، حيث نشبت حرب أهلية داخلية هي نوع من الحملة الصليبية على شيعة الألبيجيين، مما سبب الخراب والدمار في تلك الرقعة من فرنسا، فكان لابد من انقضاء أربعة قرون قبل أن تتمكن أوروبا الشمالية من الاعتماد على منتجات، وتقنيات جديدة، ومن تقبَّل الانفتاح في الحياة، وهو ما كانت أوروبا المتأثرة تأثرًا مباشرًا بالإسلام قد اعتمدته أصلًا قبل قرنين من الزمان، في أدنى تقدير.