لنتوقف الآن عند النظام المشار إليه في الدورة الزراعية. فالأمور التي نوه إليها علماء الزراعة العرب في إسبانيا هي أولًا ضرورة الاعتناء بالأرض المخصصة لزراعة الحبوب مثلًا إذ لا يجوز في فترة راحتها أن تتعرض لتقلبات وقسوة الطقس، كما لا يجوز إنهاكها بزراعة صنف واحد فقط ينمو، لنقل، في العمق. إنهم يعتمدون على إراحة الأرض، كما هي الحال تقريبًا في أيامنا هذه، على أساس تشغيلها المستمر بحيث تزرع حتى في فترة الراحة ولكن بأصناف"خفيفة"، كالخضار ذات الجذور القصيرة، أو بنباتات أخرى تستطيع علاوة على ذلك حماية التربة، فإذا ما أحسن اختيار تلك الأصناف أصبحت الأرض أجود، وازداد غنى التربة السطحية. فمن المعلوم اليوم إمكانية زيادة الآزوت دون المساس بالتربة العميقة. وبالتالي فإن تلك النباتات: من ترمس، وعدس، وفاصولياء، وفول، وكرسنة، كانت توفر وضع أسمدة إضافية، كما أن مثل هذه الزراعات توفر للأرض تهوية جيدة بحيث تتهيأ لموسم حبوب جديد.
تلك المعارف التي تطورت عبر العصور، أو قل ذلك التركيب المتأني، الواعي، والتجريبي، والمستند إلى جمع المعلومات من دراسة التربة ومعاينتها، ومن استخدام الأسمدة، وحاجات كل نبات، وإمكانيات كل صنف من جهة الاشتداد والمتانة، أو من جهة التلف التلقائي أو الضرر المتبادل. ولكن ذلك التركيب المتكامل ضاع على ما يبدو وفقد بعد استعادة إسبانيا من أيدي العرب. ولو أردنا اليوم اقتراح نظرية حديثة لاستدراك تخرب التربة، واضمحلال مدخرات الماء في الأندلس المعاصرة، كان لابد لنا من الرجوع إلى تلك التقنيات والمعارف التجريبية ذات المصدر الإغريقي اللاتيني الموغل في التاريخ، والتي اغتنت وتحولت وتشذبت بفضل العلوم الشرقية، وتجربة علماء الزراعة، والمزارعين العرب، والعرب الأندلسيين.