وقد تصدى لتلك المهمة ـ فعلًا ـ ثلاثة من جلة علماء الأندلس هم ابن جلجل (ت: بعد 384 هـ/ 994م) ، في كتابه"تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريديوس"، وقد استفاد فيه من المراجعة الأندلسية خاصة فكان صدى لها، ثم أبو العباس أحمد بن محمد النباتي (ت: 637هـ/ 239م) في كتابه"شرح أدوية دياسقوريدوس وجالينوس والتنبيه على أوهام مترجميها"، ثم ابن البيطار (ت: 646هـ/ 248م) ، في كتابه"تفسير كتاب ديسقوريدوس"، وآخر هذه الكتب الثلاثة كان أهمها لأسباب ثلاثة: أولها تمكن ابن البيطار من مادة"كتاب الحشائش"، تمكنًا لم يبلغه أحد من قبله بشهادة تلميذه ابن أبي أصيبعة الذي قال فيه:"وأتقن دراية كتاب ديسقوريديس إتقانًا بلغ فيه إلى أن لا يكاد يوجد من يجاريه فيما هو فيه". (51) . وثانيها وقوفه على أعيان النباتات التي ذكرها ديوسقريديس في مواضعها وتحققه من أسمائها العربية في البلاد العربية نفسها أثناء رحلته العلمية الطويلة التي زار فيها بلاد اليونان وآسيا الصغرى وبلاد فارس، إضافة إلى كامل البلاد العربية، وثالثها كونه آخر الشارحين، وذلك يعني استفادته من أعمال سابقيه الذين تناولوا"كتاب الحشائش"، بالمراجعة والشرح، والمقدمة التي وضعها ابن البيطار لكتابه تبين أن المشاكل التي يثيرها كتاب ديوسقريديس قد بقيت قائمة حتى القرن السابع الهجري، فقد قال:"لما وقفت من كتاب الفاضل ديوسقريديس على ما تقصر عنه همم جماعة من المتشوفين ورأيت استعجام أسماء أشجاره وحشائشه على كافة المتعلمين وعامة الشادين وتواري حقائقه على غير واحد من الشجارين والمتطببين عزمت بعون الله تعالى على تقريب المرام في ترجمته وتسهيل المطلب في تفسير أسماء أدويته لأكشف عن وجه مقاصده قناع"عجمته وأبرزه كالبدر في هالته"."