وأما الحافز الثالث فيتجلى في اختياره حقبة من تاريخ الأمة الإسلامية تشبه إلى حد بعيد الحقبة التي عاش فيها هو"معروف"فقبل الإسلام بعقود كان العرب يعانون من التجزئة والتشتت ويخضعون لدويلات عربية تدين بالولاء للفرس والروم، وقد مزقتهم التجزئة وأذلّهم الجهل والولاء للأجنبي، ثم شاءت الأقدار بأن يتوحد شملهم ويتحرك وجدانهم القومي بعد دخول الأحباش الغرباء جزيرة العرب، واكتساح الفرس سورية، والفرس الذين سموا بالأبناء في اليمن.
فكانت هذه الأحداث تمهيدًا لظهور الإسلام وجمع كلمة العرب تحت راية التوحيد، وكان المجتمع العربي في فترة صدور الرواية يعيش في ظروف مماثلة للظروف التي مرت بها الأمة قبيل الإسلام فهو يعاني من التجزئة والتشرذم، وتخضع أجزاؤه للاستعمار الفرنسي والإنكليزي والإيطالي، وقد ضرب المستعمر طوقًا حديديًا على الأدباء، فما كانوا قادرين على النقد والتصريح، بل كانوا يؤخذون حتى بالكلمة العابرة أو التلميح، وكان مصير أكثرهم النفي والسجن، فوجد معروف الأرناؤوط في التاريخ ضالته المنشودة ورأى أن إسقاط أحداث الماضي على الحاضر من شأنه أن يبعث النفوس ويحرك الثورة في الرؤوس دون أن يتعرض للملاحقة.
أما الحافز الرابع فيتجلى في تركيز الكاتب على الجيل المهيأ لمقارعة الاستعمار، فهو في (سيد قريش) يفصِّل في تصوير الصراع بين جيلين، جيل متمسك بالقديم مستسلم لواقعه يتمثل بزعماء قريش التقليديين وأصحاب الأموال من تجارها، وجيل جديد من الشباب المؤمن بالتغيير والثورة يتمثل بشخصية الرسول الكريم وأنصاره من أبناء الشعب، ولا سيما الفقراء والمساكين، فلم تكن دعوة الإسلام عند مؤلف الرواية دعوة دينية فحسب، بل إنها دعوة قومية وحركة نضالية ذات أهداف اجتماعية وسياسية من أبرزها توحيد العرب وتحرير أرضهم وتجديد قيمهم الاجتماعية والإنسانية نهض بها جيل الشباب.