الرأس إلى دار بعض الأساورة أو الدهاقنة، فمرّ على إسكافٍ، فضربه بقالبٍ وشتمه، وبعث إليه رجالًا ليقتلوه فلم يُقدموا عليه، فضربه غلام منهم اسمه هرمز -كان أبرويز قتل أباه بطبَرْزِين [1] - عدة ضربات فلم يعمل فيه، ففتشوه فوجدوا في عنقه تعويذًا فأزالوه عنه، فضربه فقتله [2] ، وكان قتلُه بمكان يقال له: الماحُوزة، عند سامراء، وفيه قَتل المنتصر أباه المتوكل، ولما قُتل أبرويز شقَّ ابنُه شيرويه ثيابه، وقتل قاتل أبيه.
وكان لأبرويز ثمانية عشر ولدًا، فقتلهم شيرويه كلهم. وكان أبرويز يمنعهم من النكاح وعليهم الحَفَظة، لأن المنجّمين أخبروه أنه يُولد مولود من ولده يكون ذهابُ مُلكهم على يده، فاحترز، فأفلت يومًا ولدُه شهريار بن أبرويز فدخل على زوجة أبيه شيرين، وسألها أن تبعث إليه امرأةً وإلا قتل نفسه، فأرسلت إليه جاريةً كانت تحجمها فوطئها، فحملت بيزدجرد ووضعته، فكتَمتْه شيرين خمسَ سنين. وكان المنجّمون قد ذكروا لأبرويز أن ذلك الغلام في بدنه نقصٌ، فوقف يومًا يلعب مع الصبيان بالكرة فرآه أبرويز، فقال: من هذا؟ فقالت شيرين: بعضُ أولاد الخاصَّة. فألحَّ عليها، فأخبرته الخبر، فنظر إلى نقصٍ في وَركيه، فأراد قتله، فنهته عنه، وقالت: إن يكن لله أمر فيه، فلا مَرَد له. فقال: هذا المشؤوم لا أراه ها هنا بعد إليوم. فذهبوا به إلى سجستان.
وأقام شيرويه بعد قتل أبيه نادمًا حزينًا على أبيه وإخوته، وابتُلي بالأمراض المزمنة، ولم يَلتذَّ بشيء من الدُّنيا، وسُمّي: الغشوم المشؤوم، ووقع في أيامه طاعون فمات نصف العالم. ودخلت عليه أُختاه بُوران وآزرمي دَخت، فقالتا له: ويحك، ما حملك على ما صنعت بأبيك وإخوتك لأمر لا يتم لك؟ ! فبكى بكاءً شديدًا، ورمى التاج عن رأسه، ودخل بيتًا مظلمًا فأقام فيه.
ولما قتل أبرويز وجدوا في خزائنه جميع ما ذكرنا من الأموال وغيرها، ووجدوا بيتًا مملوءًا جواهر، وأقام عشرة آلاف موبذ، وبلغت خيلُه القسطنطينية وإفريقية. وقُتل في سنة ست أو سبع من الهجرة.
وفي أيامه كان يومُ ذي قارٍ، انتصفت فيه العربُ من العَجم، وذلك لتمام أربعين
(1) هو فأس السرج، لأن فرسان العجم تحمله معها يقاتلون به. المعرب ص 276.
(2) تاريخ الطبري 2/ 329، والمنتظم 3/ 287.