فيها توجَّه مُسرفُ بن عُقبة من المدينة إلى مكة لقتال ابنِ الزبير، ولمَّا سار عن المدينة خلَّف عليها رَوْحَ بنَ زِنْباع، وقيل: عَمرو بن مُحرز الأشجعي.
فلما وصل إلى قفا المشلَّل [1] نزل به الموت، فدعا الحُصين بنَ نُمير السَّكوني وقال له: يا بَرْذَعة الحمار، أما واللهِ لو كان لي من الأمر شيءٌ ما ولَّيتُك من أمر هذا الجيش شيئًا، ولكنَّ أمير المؤمنين أمرني بذلك، فاحفظ عنّي أربعًا: أسرع السَّير، وعجِّل الوقاع، وعَمِّ الأخبار، ولا تُمكِّن قريشًا [2] من أذنك، ولا تردَّنَّ أهلَ الشام عن عدوِّهم، ولا تُقيمنَّ إلا ثلاثًا، وناجزِ ابنَ الزبير.
ثم كان آخر كلامه أن قال: اللَّهمَّ إنِّي لم أعمل عملًا قطُّ بعد الإيمان [3] أحبَّ إليَّ في الدنيا والأخرى من قتال أهل المدينة. ومات، فدُفن بقفا المُشَلَّل. وقيل: بقُديد.
وسار الحصين [4] بنُ نُمير إلى مكة، فقدمَها لأربع ليال بقين من المحرَّم، وقد اجتمع إلى ابن الزُّبير خلقٌ عظيم، وجاءه فَلُّ [5] المدينة. وجاء نجدةُ الحروريّ ومعه أهلُ اليمامة يحمون الكعبة.
فلما نزلَ الحُصين بظاهر مكة قال عبد الله بن الزبير لأخيه المنذر بن الزبير: يا أخي، ما لهؤلاء إلا أنا وأنت. وكان المنذرُ ممَّن شهدَ الحرَّة، ولحق بأخيه، فقال المنذر: أنا. فخرج إليهم في جيش ومعه المِسْور بنُ مَخْرَمَة، ومصعبُ بنُ عبد الرحمن بن عوف. فدعا رجلٌ من أهل الشام إلى المبارزة، فخرج إليه المنذرُ على بغلة له،
(1) المشلَّل: جبل يُهْبَط منه إلى قُدَيد (وقديد موضع قرب مكة) .
(2) في"تاريخ الطبري"5/ 496: قرشيًّا.
(3) الكلمة غير مجودة في (ب) و (خ) ورسمها: الرياد. والمثبت من"أنساب الأشراف"4/ 376. ولفظ العبارة في"تاريخ الطبري"5/ 497: بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. . .
(4) في (م) : السنة الثالثة والستون من الهجرة النبوية. مسير الحصين بن نمير إلى مكة. قال علماء السير: سار الحصين. . .
(5) الفَلُّ: المنهزم، يقال للواحد والجمع. ووقع في (ب) و (خ) : قلّ، وفي (م) : وفد. وعبارة"أنساب الأشراف"4/ 376: وأتاه فَلّ أهل الحرَّة.