ذكر إنفاقه على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وما أعتق: قال ابن سعدٍ بإسناده عن أسامة بن زيد ابن أسلم عن أبيه قال: كان أبو بكرٍ معروفًا بالتجارة، لقد بُعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده أربعون ألفًا -قال عروة بن الزبير: أربعون ألف دينار، وغيره يقول: أربعون ألف درهم- فلم يزل يُقوي المسلمين، ويُعتِق منها؛ حتى قدم المدينة ومعه خمسةُ آلاف درهم، فكان يفعل فيها ما يفعل بمكة، حتى تُوفِّي ولم يترك دينارًا ولا درهمًا [1] .
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا [أبو] معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"ما نَفعَني مالٌ كمال أبي بكرٍ"فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللَّه [2] . وفي روايةٍ:"ما لأحدِ عندنا يدٌ إلَّا وقد كافيناه عليها ما خلا أبا بكرٍ، فإن له عندنا يدًا يكافيه اللَّه عليها" [3] .
فإن قيل [4] : فقد أنفقت عليه خديجة أضعافَ ذلك، وما قال: ما نفعني مالٌ كمالِ خديجة، فالجواب: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُثنى على خديجة، ويَعترف بإنفاقها عليه، وإحسانها إليه، على ما ذكرناه في ترجمتها [5] . وقولُه:"ما نفعني مال كمال أبي بكرٍ", أراد به المبالغةَ في الثناء عليه.
وقد ذكر جدي رحمه اللَّه في كتاب"المنتخب"وقال: إذا أراد اللَّه قَبول نَفقةٍ قَدَّر لها فاقةَ مُحتاجٍ، وأَحوجُ ما كان الإِسلامُ إلى نفقة أبي بكرٍ، فلهذا حُلِّي حليةَ:"ما نفعني مال كمالِ أبي بكرٍ".
وقال في إنفاق خديجة: أنفقت خديجةُ لشائبةِ هواها، ونفقةُ أبي بكرٍ لقاعدةٍ بناها.
قلت: فأبو بكرٍ -رضي اللَّه عنه- إنما أنفق بعد الرسالة ونزول الوحي، وذلك في سنة أربعين من النبوَّة، ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوَّج خديجة وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، قبل النبوة بخمس عشرة سنةً، فإنفاقُ خديجةَ عليه مُتقدّم على إنفاق أبي بكر بخمس عشرة سنةً، ثم شاركت
(1) طبقات ابن سعد 3/ 172.
(2) مسند أحمد (7446) ، وفضائل الصحابة له (25) .
(3) سنن الترمذي (3661) .
(4) من هنا، إلى قوله: وآمن برسالته. . . في الصفحة التالية ليس في (أ) و (خ) .
(5) سلف في السيرة.