في كل يومٍ لا يزال [1] خطيبُهم ... بين الجميعِ لآلِ أحمدَ عائبا
فقالت له: يا معاوية، أنا القائلة [جميع] ما قالوا: وما خَفِيَ عنكَ أكثرُ. فضحك معاوية وقال: ما يمنعُنا ذاك من بِرِّكِ، اذْكُري حوائجَكِ. فقالت: أمَّا الآنَ فلا. ثم خرجت.
[قال علماء السير: ] وفَدَتْ عليه بدمشق، وكانت امرأةً فصيحةً، جَزْلَةَ الرأي، سريعةَ الجواب، وكانت في أيام صِفِّين تقومُ بين الصفوف، وتُحرِّضُ الناسَ على قتال معاوية، وكانت تحبُّ أميرَ المؤمنين - رضي الله عنه -.
ولما صالح الحسنُ - رضي الله عنه - معاويةَ وعاد إلى الشام؛ جلس ليلةً [2] يَسْمُرُ وعندَه عَمْرو بن سعيد [3] ، وعُتبة بن أبي سفيان [4] ، والوليد بن عتبة [5] ، ذكروها وما فعلت بصِفِّين، فكتب إلى المغيرة بن شعبة أن يُوفدَها عليه مع فرسان من قومها مكرَّمة.
فأرسل إليها المغيرةُ، فأخبرها، فقالت: إنْ كان الأمرُ إليَّ؛ فلا حاجةَ لي إليه، وإن كنتُ مُكْرَهة فالمُكْره معذور.
فجهَّزها إلى معاوية، فلما دخلَتْ عليه وعنده من سَمَّينا؛ قال: مَرْحَبًا وأهلًا. فقالت: عندك المَرْحَبُ والأهل. فقال: كيف كان مسيرُك؟ قالت: كريمة كَرَبِيبَةِ بيتٍ، أو كطفل مُهِّدَ له [6] . فقال: ألستِ الراكبةَ يوم صِفَين الجملَ الأحمرَ تُوقِدين نارَ الحرب، وتُحرِّضين الناسَ على قتالي؟ قالت: بلى. قال: فإنك قد شَرَكْتِ ابنَ أبي طالب في كل دم سفَكَه. فقالت: أحسنَ اللهُ بِشارَتَك. فقال: واللهِ لَوَفاؤُكم له بعد وفاتِه أعجبُ من حُبِّكم له في حال حياته! فقالت: مات الرأسُ وبُتر الذَّنَب، ولن يعودَ ما ذهب، والدَّهرُ ذو غِيَر، ومن تفكَّر اعتبر. فقال: وهل تحفظين مِمَّا كنتِ تقولين شيئًا؟ قالت: لا والله. قال: فأنا أحفظُ منه، كأني بكِ وأنتِ تقولين: أيُّها الناسُ، إنكم قد أصبحتُم في فتنة غَشَّتْكُم جلابيبَ
(1) في"العقد الفريد": للزمان.
(2) في (ب) و (خ) : إليه، وهو خطأ.
(3) في"العقد الفريد"2/ 106: عمرو وسعيد.
(4) في (م) : وعتبة أخوه.
(5) في (م) و"العقد الفريد": عقبة.
(6) في (م) : كريهة، بدل قوله: كربيبة بيت أو كطفل مهّد له.