وكنيةُ الحارث هذا أبو وابصة، وكان شاعرًا، وهو القائل:
مَنْ كان يسألُ عنَا أينَ منزلُنا ... فالأُقحوانةُ منَّا منزلٌ قَمَنُ [1]
إذْ نلبس العيشَ صَفْوًا ما يُكَدِّرهُ ... طَعْنُ الوُشاةِ ولا ينبو به [2] الزمنُ
وساير الحارث بن خالد عليَّ بنَ عبد الله بن عباس، فأصاب رِكابُ عليّ ساقَ الحارث، فأوجعَه، فقال الحارث: سبحان الله! ما رأيتُ أحدًا يُسايرُ الناس مثل هذا الرِّكاب. فقال عليّ: إنه عملُ قَين كان له بمكة. يُعرِّضُ بالعاص جد الحارث؛ لما أسلَمه أبو لهب قينًا بمكّة [3] .
وكان الحارث أشعرَ أهلِ زمانه من قريش يحذُو حَذْوَ عمرَ بن أبي ربيعة لا يتجاوز الغزل إلى مدحٍ ولا هجاء، وهو القائل:
إنِّي وما نَحَرُوا غَداةَ مِنى ... عند الجِمار تؤودُها العُقْلُ [4]
لو بُدِّلَتْ أعلى مساكنِها ... سُفْلًا وأصبح سُفْلُها يعلُو [5]
فيظلُّ [6] يعرفُها الخبيرُ بها ... فيردُّه الإقْواءُ والمَحْلُ [7]
وقال الهيثم: أقام الحارثُ في بيته معتزلًا للناس مدة أيام ابن الزبير، فلما وليَ عبد الملك ولَّاه إيَّاها [8] بعد قتل ابن الزبير، فلما كان في سنة خمس وسبعين [9] حجَّتْ عائشةُ بنتُ طلحة بن عبيد الله، فخرجت يومًا إلى الطواف وقد أذَّنَ المؤذِّن وكان الحارثُ يصلِّي بالناس، فأرسلت إليه: قد بقي من طوافي شيء يسير لم أُتمَّه، فاصبر
(1) أي: خليق وجدير.
(2) في"الأغاني"3/ 325، و"تاريخ دمشق"4/ 94 (مصورة دار البشير) : بنا.
(3) أنساب الأشراف 8/ 292 - 293. والقَين: الحدَّاد.
(4) تؤودها: تُثقلُها. والعُقْل، جمع عِقال، وهو الحَبْل الذي يُعقل به البعير.
(5) في (ب) و (خ) : وأصبح علوها سفل. والمثبت من"الأغاني"3/ 313.
(6) في"الأغاني": فيكاد.
(7) الإقواء: النزول بخلاء من الأرض، لا ماء فيه ولا ناس، والمَحْل؛ يقال: أرضٌ مَحْلٌ، أي: لا مرعى بها.
(8) يعني مكّة. ووقع في (ب) و (خ) : فلما وليَ عبد الملك مكَة ولَّاه إيَّاها. والصواب ما أثبتُّه، وينظر"تاريخ دمشق"4/ 196 (مصورة دار البشير) .
(9) في (ب) و (خ) : سبع وخمسين، وهو خطأ ظاهر. وسنة (75) هي السنة التي وليَ فيها الحارث بن خالد مكة لعبد الملك ينظر"الأغاني"3/ 327.