فهرس الكتاب

الصفحة 4787 من 10708

وقال سابق البربري: وفد يزيد بن أبان الرَّقاشي على عمر فقال له عمر: عِظْني. فقال: ليس بين الجنِّة والنار منزل. قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13 - 14] فبكى عمر حتَّى سقط [1] .

ويزيد الرَّقاشي من الطبقة الثالثة من التابعين، من أهل البصرة، كان قد صام ستين سنة، حتَّى ذبل جسمُه، وتغيَّر لونُه، وكان يبكي طول الليل ويقول: يا إخوتاه، تعالوْا نبكي أيام الدنيا، وكان قد عطَّشَ نفسه ستين سنة، وكان لا يفطر إلا خمسة أيام [2] ، ويقول: سبقني العابدون، وقُطع بي.

وكان يتقلَّبُ على الرَّمل في اليوم الحارّ ويقول: يا يزيد من يصوم عنك بعد الموت؟ من يصلِّي عنك؟ من يسترضي ربَّك لك؟ ثم بكى حتَّى سقطت أشفارُ عينيه.

وكان يقول: إلهي إن كنتَ أذنتَ لأحدٍ من المحبِّين أن يصلِّيَ ويصوم في قبره، فأْذَنْ لي.

وقال ثابت البُناني: ما رأيتُ أحدًا أصبرَ على طول القيام والسهر من يزيد، وكان يقول في قصصه: يا معاشر مَن القبرُ بيتُه، والموتُ موعدُه، ألا تبكون؟ !

وقيل له: أما تسأم من البكاء؟ ! فقال: وَدِدْتُ أن أبكيَ بعد الدموع دمًا، ثم الصديد، يا إخوتي، إن لم تبكُوا؛ فارحموا الباكي.

وكان ينشد:

إنَّا لَنَفْرَحُ بالأيام نقطعُها ... وكلُّ يومٍ مضى يُدني من الأَجَلِ [3]

حدَّث عن أنس، والحسن البصريّ.

(1) بنحوه أطول منه في"الزهد الكبير"للبيهقي (551) ، و"تاريخ دمشق"18/ 223 (مصورة دار البشير) .

(2) يعني يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق الثلاثة. وقد روى هو الحديث فيه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أخرجه أبو يعلى في"المسند" (4117) . ووقع في (ب) و (خ) و (د) (والكلام منها) : إلا بعد خسة أيام، وهو خطأ. وينظر"حلية الأولياء"3/ 50، و"تاريخ دمشق"18/ 228 (مصورة دار البشير- ترجمة يزيد الرقاشي) .

(3) ينظر"تاريخ دمشق"18/ 227 - 232 (مصورة دار البشير) ، و"صفة الصفوة"3/ 289 - 290، و"تهذيب الكمال"32/ 70 - 74. ولعل أبا العتاهية أخذ البيت، فقد نسب الراغب الأصفهاني في"محاضرات الأدباء"4/ 49 له: نظلُّ نفرح بالأيام نقطعها ... إلخ، وأورده محقق"الديوان"في"تكملته"ص 218 عن الراغب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت