ودخل الناس في دينهم أفواجا لما رأوا من صدق دعوتهم، وكانوا فيها مثلا يحتذى، فلما ترف أخلافهم بنعماء الدنيا وأسرفوا منها، تعلقوا بأذيالها، وأقبلوا عليها إقبال عاشق غاب رقيبه.
ويستفاد مما تقدم أن ضعف الوازع الإيماني في الراعي وغالبية الرعية، قد حاد بالمسلمين عن خطة الإسلام، فالإسلام أقام الإيمان رقيبا على أعمال الإنسان وزوده بدقة الحس في التمييز بين الخير والشر، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين العدل والظلم، وعندما تعصف الأهواء بالإيمان، يفقد الإحساس بالخير والعدل والفضيلة.
ولما تراخت رقابة الإيمان على أعمالهم حل الظلم محل العدل، فأخفت صوت الحق، وقضى سيف الظلم على صولته، وأضحت القوة هي الحاكم الذي لا يرد والحكم الذي لا ينقض، وبرز الباطل يختال في قصور الخلفاء والأمراء والوزراء والأثرياء، متشحا بكل مظاهر العبث والمجون، فألهاهم عن مصالح الأمة، فشاع الفساد في الحكم والقضاء والإدارة، وقفز إلى مناصب الدولة المنافقون ومنهم من اتخذ الدين سلما للوصول إليها، فساهموا في الإفساد وأعانوا على الظلم، وسادت الفوضى فكانت غنما للصوص والعيارين، وقامت لهم دولة في بغداد يحميها قادة من الجيش لقاء جزية يتقاضونها مما ينهبون.