فلمَّا قال ابنُ المدينيِّ ذلكَ هجرَه الناس، وأسقطوا روايتَه، ونسبوهُ إلى النفاق والميل إلى الدنيا [1] ، وقد أجمعَ العلماءُ على تصحيحِ رواية قيس وعدالته، وأنَّه رَوى عن تسعةٍ من العشرة -رضي الله عنهم-، وكان من [2] الثقاتِ، ليس لأحدٍ فيه مطعن، وليس في التابعين من أدركَ تسعة من العشرة غيره، وهذا الحديثُ رواه عشرةٌ من الصحابة [3] ، وأخرجه البخاريُّ ومسلم [4] .
وكان ابنُ المديني إذا جاءهُ حديثٌ قد رواه الإمامُ أحمد يقول: اضرب على هذا؛ ليرضي ابن أبي دؤاد، وقد سمعَ ابنُ المديني من الإمامِ أحمد وهو شيخه.
وقال زكريا بن يحيى الساجيّ: قَدم ابنُ المدينيِّ البصرةَ، فسار إليه بُندار، فجعل يقول: قال أبو عبد الله، فقال على رؤوس الملأ: مَنْ أبو عبد الله، أحمد بن حنبل؟ قال: لا، أحمد بن أبي دؤاد، فقال له بُندار: عند الله أحتسب خطايَ إليك، ثمَّ قام مغضبًا [5] .
وكان عند إبراهيم الحربيّ قِمَطْرٌ من حديث عليِّ بن المديني، فتركه، فقيل له: لم لا تحدث عنه؟ قال: لقيتُه يومًا وبيده نعلُه وثيابه في فمه، فقلت: إلى أين؟ فقال: الصلاة خلف أبي عبد الله، فظننت [6] أنَّه يعني أحمد بن حنبل، فقلت: من، أبو عبد الله؟ فقال: ابنُ أبي دؤاد، فقلت: والله لا حَدَّثتُ عنك بحرفٍ أبدًا.
ودخلَ ابنُ المديني على ابن أبي دؤاد بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل ومعه رقعة، فناولَه إيَّاها وقال: هذه وجدتُها في داري، وفيها: [من الكامل]
(1) في هذا الكلام جرأة عجيبة على إمام المحدثين، ومن وصفه البخاري بأنه أعلم أهل عصره (تهذيب التهذيب 3/ 179) وقد بناه المصنف على أقوال ضعيفة وروايات تالفة، سيأتي الكلام على بعضها، وانظر ما قاله الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال في الذبِّ عن ابن المديني.
(2) لفظة: من، ليست في (ف) .
(3) انظر مسند أحمد (11120) ، وانظر كتاب الرؤية للدارقطني.
(4) أخرجه البخاري (554) ، ومسلم (633) : (211) من حديث جرير بن عبد الله.
وأخرجه البخاري (4581) ، ومسلم (183) من حديث أبي سعيد الخدري.
وأخرجه البخاري (6573) ، ومسلم (182) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(5) تاريخ بغداد 13/ 437.
(6) في (خ) و (ف) : ففطنت. والمثبت من تاريخ بغداد 13/ 437.