يطاوله، حتى أغلق بُغَا الأبواب كلَّها، إلَّا باب الماء.
[وقال الصولي: لمَّا كانت ليلةُ الأربعاء لثلاثٍ خلون من شوال سنة سبعٍ وأربعين ومئتين، وكان المتوكِّلُ على تلك الحالة في قصره المعروف بالجعفريّ، وعنده الفتح بن خاقان وجماعةٌ من المغنين، فقال لبعضهم: غنِّي، فغنَّى هذه الأبيات: ] [1] [من الكامل]
يا عاذليَّ من الملام دعاني ... إنَّ البليَّة فوق ما تصفانِ
زعمتْ بثينةُ أنَّ رحلَتنا غدًا ... لا مرحبًا بغدٍ فقد أبكاني [2]
فتطيَّر المتوكلُ من هذا، وقال: ويحك، كيف وقعَ لك هذا، غيِّره، فذهبَ ليغيِّرَهُ بغيره فأعاده. [وأقام المتوكل في مجلسه إلى ثلث الليل] [3] .
ودعا المتوكِّلُ بطعامٍ، وكان بُغا الشرابيُّ قائمًا عند الستر، وكانت نوبتُه في تلك الليلة [4] ، فقال للندماء: انصرفوا، فقال الفتح: ليسَ هذا وقت انصرافهم، فقال بغا: قد شرب أميرُ المؤمنين كثيرًا، فأخرجهم، ولم يبقَ إلَّا المتوكِّل والفتح بن خاقان وأربعةٌ من الخدم، شفيع، وفرج الصغير، ومؤنس، وأبو عيسى [5] ، ودخل القوم الذين عَيَّنوا قتلَه من باب الماء [6] ، وهم باغر وبغلون وموسى بن بغا وهارون بن صوارتكين، فلمَّا رأى المتوكل السيوف مسلَّلة قال: ما هذا؟ قيل أصحاب النوبة، ورجع القومُ لمَّا سمعوا كلام المتوكِّل، فقال لهم بُغَا: ويحكم، أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كرامًا، فرجعوا إلى المجلس، فابتدره بغلون، فضربه على كتفه وأذنه فقدَّه، فقال: مهلًا، قطعَ الله يدك، وأراد الوثوبَ، فاستقبلَه فأبان يده، وشركه باغر. وقيل: أول من ضربه باغر على عاتقه، فنزل السيفُ إلى خاصرته، ثم ثناه.
(1) ما بين حاصرتين من (ب) . وفي (خ) و (ف) : وقال المتوكِّلُ لبعض المغنين: غنِّي، فغنى.
(2) ديوان جميل بثينة ص 205.
(3) المنتظم 11/ 357 - 358، وما بين حاصرتين من (ب) .
(4) في تاريخ الطبري 9/ 226 أنها كانت نوبة بغا الكبير لا بغا الصغير المعروف بالشرابي، وكان بغا الكبير يومئذ بسميساط وخليفته في الدار ابنه موسى.
(5) من قوله: ودعا المتوكل بطعام ... إلى هنا ليس في (ب) .
(6) في تاريخ الطبري 9/ 226، والكامل 7/ 98: باب الشط.