فهرس الكتاب
في حين انتشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في بلاد نجد والحجاز وعموم بلاد الحرمين. وتبعه أكثر أصحاب مذهب أهل الحديث حيث وجدوا.
وقد عاش أتباع المذاهب الثلاثة مع المذهب السائد في كل منطقة بكل يسر وانسجام إجمالا. وكان لهم أئمتهم وعلماؤهم ومساجدهم ومراجعهم. وقد دُرِّست المذاهب الأربعة في مختلف المدارس الكبرى والحواضر العلمية عبر التاريخ في مختلف عواصم الإسلام. وسارت الأمور بطبيعية وإيجابية، رغم ما تخلل من إشكالات التعصب، ونزغات الشيطان بالبشر بين حين وآخر، ودخول السياسة على دنيا العلم والعلماء. ونزوع بعض العلماء إلى أبواب السلاطين ليستقوا بهم على التعصب للمذاهب والأشخاص والآراء. ولكن الأمور بقيت منضبطة وانعكست خيرًا على دين المسلمين ودنياهم ..
خامسا: إن الدعاوى المعاصرة (لنبذ المذهبية) ولاسيما في القرن الأخير. بعد سقوط الخلافة وزوال مرجعية الأمة السياسية بهذه الطريقة التي تبناها كثير من أوساط أهل الحديث وما يسمي بـ (التيار السلفي) بهذه الطريقة التي حصلت وتحصل اليوم، قد جلب من الأضرار أضعاف ما جلب من المنافع. ومن ذلك:
إن فرار هؤلاء المزعوم من تفريق الأمة على مذاهب أربعة، والسعي إلى توحيدها على مذهب (الحق والدليل) ، ومصدرين هما (الكتاب والسنة) . جاء رغم الحق النظري الذي يستند إليه، بنتيجة عكسية مرعبة، والواقع أكبر شاهد ...
فقد تصدر للفتوى بحسب هذه المدرسة علماء كثيرون. وحتى لو تجاوزنا عن المقارنة غير الممكنة بين مستواهم العلمي ومستوى الأئمة الأوائل. بل حتى مع المتأخرين من فطاحل أئمة المذاهب، وقبلنا أهلية هؤلاء. لوجدنا أن الخرق قد أتسع على الراقع. فهم اقتحموا مجال الاستنباط والاجتهاد من نفس الأدلة التي عالجها أئمة المذاهب. وخرجوا إما بترجيحات بين تلك الآراء أو بآراء جديدة وفتاوى مختلفة. ولأن تعدد الفتاوى ناتج عن تعدد الأفهام والعقول واختلافها .. برز اليوم كثيرون هنا وهناك، كأئمة لمدرسة فقه الدليل، فلان أوعلان، وابن فلان، وأبو علان .. من هؤلاء المشاهير اليوم في كل قطر ومملكة .. وهكذا تعدد الأئمة أكثر. وصار لكل إمام جديد تلاميذ وأتباع ومتعصبون. ووجدنا أنفسنا أمام متعصبين جدد لعشرات الأئمة، بدل أن كنا أمام الانقسام على مذاهب أربعة.
هذا ناهيك عن أن عملية الترجيح بين المذاهب ذاتها افتقرت إلى العلمية. فمن المعلوم أن الحكم يجب أن يكون بمستوى من يحكم