جنوب العراق حيث كان يقوم باستصلاحها الزنوج الإفريقيون، وكانوا يلاقون ظلما مريرا من أصحاب الأراضي. فاندس فيهم ذلك الرجل وادعى أنه من آل البيت، ودعاهم لاتباعه ليحررهم من الرق، وينجيهم من عذاب أسيادهم، وأخذ يظهر لهم، بما أوتي من ذكاء وسعة حيلة، أعمالا فيها كثير من الشعوذة وينبئهم بأخبار يزعم أنها من الغيب.
وقد أقام دعوته على دعوة الخوارج وهي المساواة بين المسلمين. وقد استجاب له الأعراب الذين كانوا يسكنون في بوادي البصرة، ويعملون لشظف العيش بشن الغارات على القرى واعتراض قوافل الحجاج، ينهبون ويسلبون، وقد أغراهم بما يطمع فيه الفقراء الذين ضمر في قلوبهم الشعور بالإيمان وتراخت عقيدتهم، فأباح لهم شيوعية الأموال والنساء، وهي عقيدة مزدك الفارسي، فاجتمعوا عليه مؤمنين بدعوته.
وقد عرف القائم بتلك الدعوة، الناظم لتلك الجموع الغفيرة بصاحب الزنج، لأن العدد الغالب من أتباعه كان منهم، ولأنهم أول من استجاب لدعوته، فاستولى على البحرين والأحساء، ثم توجه صعدا إلى البصرة. وفي شوال سنة 257 هـ أغار على تلك المدينة وهي غافلة، فداهمها بجموعه وأمعن أتباعه فيها نهبا وسلبا وقتلا وتحريقا، فلم يسلم من أهلها إلا من هرب وهام على وجهه يلتمس النجاة.