موقف الصالحين اعتزال القصور وحكامها، والصدع بالحق، أو الاعتزال عنهم إيثارا لسلامة الدين.
ويلحق بهذا الفريق من تزهد وتصوف وأعرض عن الدنيا واعتزل أهلها وانصرف إلى عبادة الله والتأمل في ملكوته، فصفت نفسه ورقت وأمتعته بلذة روحانية لا تعدلها لذة الحياة المادية. وبهذا الفريق بدأ عهد التصوف كظاهرة رفض للحياة المترفة واحتجاجا على شيوع الظلم والاستبداد.
وقد اشتدت ظاهرة الظلم في العصر العباسي الثاني وتضاعفت مع مضاعفة السلطة بين الخلفاء والمتغلبين. فقد أضيفت إلى وسائل القتل والسمل والنفخ والفصد وقطع الأعضاء والحبس في المطامير والتوسيط، والموت عطشا وجوعا والطرح تحت أقدام الفيلة والإلقاء في حظيرة السباع. فكان الخليفة أو القائد المتغلب يختار لمن يقتله الميتة بإحدى هذه الوسائل.
وقد ازدادت ظاهرة الظلم ضراوة عندما انتقل الحكم من الملك العضوض، كما كان حال بني أمية وبني العباس، إلى مرحلة الملك الجبري، كما كان حال معظم حكام التغلب وأمراء وملوك الدول المستقلة المتصارعة على الملك والسلطان .. يكاد لا يستثنى من ذلك إلا ومضات مضيئة قليلة لملوك وأمراء صالحين، مروا في سماء تاريخ أكثر الملوك والسلاطين، كشهب لامعة في سماء الظلم والظلمات.