«فَإِنْ قِيلَ» : لم أتى بصلة «الذين» فعلًا ماضيًا؟
قيل: ليدلّ ذلك على ثبوت إنعام الله - تبارك وتعالى - عليهم وتحقيقه لهم، وأتى بصلة «أل» اسمًا ليشمل سائر الأزمان، وجاء مبنيًَّا للمفعول؛ تحسينًا للفظ؛ لأنّ من طلبت منه الهداية، ونسب الإنعام إليه لا يناسبه نسبة الغضب إليه، لأنه مقام تلطُّف، وترفُّق لطلب الإحسان، فلا يحسن مواجهته بصفة الانتقام.
والإنعام: إيصال الإحسان إلى الغير، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه الإحْسَان من العُقَلاء، فلا يقال: أنعم فلان على فَرَسِهِ، ولا حماره.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قدم ذكر العُصَاة على ذكر الكَفَرَةِ؟
قلنا: لأن كل أحد يحترز عن الكفر، أما قد لا يحترز عن الفِسْق، فكان أهم فقدم لهذا السّبب ذلك.
قال ابن الخطيب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ها هنا سؤال، وهو أن غضب الله إنما تولّد عن علمه بصدور القبيح والجناية عنه، فهذا العلم إما أن يقال: إنه قديم، أو محدث، فإن كان قديمًا فلم خلقه، ولم أخرجه من العَدَمِ إلى الوجود، مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العَذَاب الدَّائم، ولأنه من كان غضبان على الشَّيء كيف [يعقل] إقدامه على إِجَادِهِ وتكوينه؟ فإن كان ذلك العلم حادثًا لكان الباري - تعالى - محلاَّ للحوادث، إلاَّ أنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سَبْقِ علمٍ آخر، وتسلسل، وهو مُحَال.
والجواب: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.
سؤال آخر
وهو من أنعم الله - تعالى - عليه امتنع أن يكون مغضوبًا عليه، وأن يكون من الضَّالين، فلما ذكر قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، فما الفائدة في أن ذكر عقبيه: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين} ؟
والجواب: الإيمان إنما يكمل بالرَّجاء والخوف، كما قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِن وَرَجَاؤُهُ لاعتْدَلا» ، فقوله: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يوجب الرَّجَاء الكامل، وقوله تعالى: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين} يوجب الخوف الكامل، وحينئذٍ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه، وينتهي إلى حَدِّ الكمال.
سؤال آخر
ما الحكمة في أنه - تَعَالَى - جعل المقبولين طائفةً واحدةً، وهم الذين أنعم الله عليهم، والمردودين فريقين: المغضوب عليهم، والضَّالين؟
فالجواب: أنّ الذين كلمت نعم الله - تعالى - عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحَقِّ لذاته، والخير لأجل العمل به فهؤلاء هم المُرَادون بقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، فإن اختلّ قيد العمل فهم الفَسَقَةُ، وهم المغضوب عليهم، كما قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93] .
وإن اختلّ قيد العلم فهم الضَّالون لقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} [يونس: 32] .