قوله: {وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
أي متصلاً بالأسحار، أخبر عن الاقتراب، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله: «فِي اللَّيْلِ» ؛ لأنه يستدعي احتواء الزمان بالفعل وكذلك قول القائل: أقمتُ ببَلْدَة كذا، لا يفيد أنه كان مخالطاً بالبلد.
وقوله: أقمتُ فيها يدل على إحاطتها به، فإذن قول القائل: أَقَمْتُ بالبَلَدِ، ودَعَوْتُ بالأَسْحَارِ أعمُّ مِنْ قوله: أقمتُ فِيهِ؛ لأن القائم فيه قائمٌ به والقائم به ليس قائماً فيه.
وإِذا علم هذا فقوله: {وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} إشارة إلى أنهم لا يُخْلُونَ وقتاً عن العبادة وأنهم بالليل لا يهجعون، ومع أول جزء من السحر يستغفرون فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب، لأنهم وقت الانتباه لم يُخْلوا الوقت للذنب.
وفائدة قَوْلِهِ: «هم» ؛ قال الزمخشري: فائدتها انْحِصَارُ المستغفرين أي هم الكاملون فيه لا غيرهم كقولك: زَيْدٌ العَالِمُ، لكماله في العلم كأنه تفرد به، وأيضاً: فلو عطف بدون هم لأوهم أنهم يستغفرون قليلاً. والاستغفار إما طلب المغفرة، كقولهم: رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا، وإما إتيانهم بعبارات يتقربون بها طلباً للمغفرة، وإما أن يكون من باب قولهم: اسْتَحْصَد الزَّرْع أي ذلك أوان المغفرة.