«فَإِنْ قِيلَ» : التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله - تعالى - وظاهر الآية يدل على أن إسرائيلَ حرم ذلك على نفسه، فكيف صار ذلك سَبَباً لحصول الحُرْمَة؟
فالجواب من وجوه:
الأول: أنه لا يبعد أن الإنسانَ إذا حرَّم شيئاً على نفسه، فإن الله يُحَرِّمُه عليه كما أن الإنسانَ يحرم امرأته بالطلاق، ويحرم جاريته بالعِتْق، فكذلك يجوز أن يقول الله تعالى: إن حرَّمْتَ شيئاً على نفسك فأنا - أيضاً - أحَرِّمُه عليك.
الثاني: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ربما اجتهد، فأدَّى اجتهاده إلى التحريم، فقال بتحريمه، والاجتهاد جائز من الأنبياء؛ لعموم قوله: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2] ، ولقوله: {لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ} [النساء: 83] ، ولقوله - لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] ، فدل على أنه كان بالاجتهاد.
وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ} يدل على أنه إنما حرَّمه على نفسه بالاجتهاد؛ إذْ لو كان بالنصِّ لقال: إلاَّ ما حرَّمه الله على إسرائيل.
الثالث: يُحْتَمَل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا، فكما يجب علينا الوفاةُ بالنذر - وهو بإيجاب العبد على نفسه - كان يجب في شرعه الوفاءُ بالتحريم.
الرابع: قال الأصم: لعل نفسه كانت مائلةً إلى تلك الانواع كُلِّها، فامتنع من أكلها؛ قَهْراً للنَّفْس، وطَلَباً لمرضاة الله، كما يفعله كثير من الزُّهَّادِ.