فهرس الكتاب

الصفحة 1301 من 1771

{وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(41)}

«فَإِنْ قِيلَ» : لم قال {حَمَلْنَا ذُرِّيّتهُمْ} ولم يقل: «حملناهم» ليكون أعم كما قال: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} [يس: 33] ولم يقل: تَأْكُلُ ذُرِّيِّتهُم؟

فالجَوابُ: قوله تعالى: «حملنا ذريتهم» أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم لأن سكون الأرض عام (ل) كلّ أحد يسكنها فقال: {وآيَةٌ لَهُم الأرض الميتة} إلى أن قال: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} لأن الأكل عام وأما الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يُحْمَلُ فيها ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإنَّ فيهم من يحتاج إليها فيُحْمَلُ فيها.

«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: {وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ} [فاطر: 12] وأفرده في قوله: {فِي الفلك المشحون} ؟

فالجَوابُ: أن فيه تدقيقاً مليحاً في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها مثلَ حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله قولك: سَجَد يَسْجُدُ سُجُوداً للمصدر وهم قوم سُجُودٌ في جمع «سَاجِدٍ» يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر

وحركة السجود عند كونه للجمع حركة معتبرة من حيثُ إن الجمع مشتق مِنَ الواحد وينبغي أن يلحق الشمتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشْتَقَّ منه لفظُ جمع غيّرناه وجئنا بلفظ السُّجُود فإذن السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. وإذا عرف هذا فنقول «الفُلْك» عند كونه واحداً مثل: «قُفْل وبُرْد» وعند كونها جمعاً مثل خُشْبٍ أو بُرْدٍ أو غَيْرِهِما.

«فَإِنْ قِيلَ» : فإذا جعلتَهُ جمعاً ما يكون واحدها؟

فالجَوابُ: نقول جاز أن يكون واحدها فَلْكَة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النِّساء لم يستعمل وكذا القول في: «إمام مبين» إمَام كَزِمام وكتاب عند قوله تعالى: {كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] أي بِأَئِمَّتِهِمْ إمَامٌ كَسِهام وحِفَانٍ، وهذا من دقيق التَّصْرِيف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات:

السؤال الأول: قال هاهنا: «حَمَلْنا ذُرّيَّتّهُم» مَنَّ عليهم بحَمْلِ ذرّياتهم وقال تعالى:

{إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية} [الحاقة: 11] منَّ عليهم هناك بحمل أنفسهم؟

فالجَوابُ: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع الضر عن المتعلّق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرَّحَةُ فَرِحَ بفَرَحِهِ أبوه وإذا دفع الألم عن ولد إنسان يكون قد فَرَّح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم عن أبيه فعنْد طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت وهاهنا عنكم الضّرر ولو قلا: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بين دفع الضرر عنهم وهاهنا أراد بيان المنافع فقال: «حملنا ذرياتهم» لأنَّ النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على هذا قوله: «فِي الفُلْكِ المشحون» فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل بذكره

بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وهاهنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشّحْن.

«فَإِنْ قِيلَ» : قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر} [الإسراء: 70] ولم يقل: وحملنا ذريتكم، مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النِّقْمة نقول: لما قال في البرّ والبحر عَمّ الخلق لأن ما من أحدٍ إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يَعُمّ فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء.

وفي قوله: «المشحون» فائدة أخرى وهي أن الآدمِيِّ يرسُب في الماء ويَغْرقُ فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطَّبِيعيِّينَ من يقول: الخفيف لا يرسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله.

«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمةُ في قوله: «وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ» «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ» ؟

ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟

فالجَوابُ: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه كَبيْتٍ مَبْنِيِّ من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت