قوله: (الأُخْرَى) صفة لمَنَاةَ.
قال أبو البقاء: و «الأُخْرَى» توكيد لأن الثالثة لا تكون إلا أُخْرَى.
وقال الزمخشري: والأخرى ذم وهي المتأخِّرة الوضيعة المقدار، كقوله: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} [الأعراف: 38] أي وُضَعاؤهم لأَشْرَافِهمْ. ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم لِلاَّتِ والْعُزَّى. انتهى.
وفيه نظر، لأن «الأخرى» إنما تدل على الغيرية، وليس فيها تعريض لمدح ولا ذمٍّ، فإن جاء شيء فلقرينة خارجيَّةٍ.
وقيل: الأخرى صفة للعُزَّى؛ لأن الثانية أخرى بالنسبة إلى الأولى. وقال الحُسَيْنُ بن الفَضْلِ: فيه تقديم وتأخير أي العزَّى الأُخْرَى، ومناة الثالثة. ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن الأصل عَدَمُهُ.
قال ابن الخطيب: «فَإِنْ قِيلَ» : إنما يقال: أَخَّرُوا «أُخْرى» إذا (تقدم) أول مشاركٌ للثاني فلا يقال جَاءَنِي رَجُلٌ وامْرَأَةٌ أُخْرَى فيلزم أن تكون العُزَّى ثالثةً!
فالجواب: قد يستعمل الآخر والأُخرى للذَّمِّ، فالمراد بالأخرى المتأخرة الذليلة. واللات على صورة آدمّي.
والعُزَّى شجرة وهي نبات. وقيل: صخرة جَمَاد وهي متأخرة عنهما. أو في الكلام حذف أي اللات والعزى المعبودين بالباطل ومناة الثالثة الأخرى. أو المعنى ومناة الأخرى الثالثة على التقديم والتأخير. ومعنى الآية هل رأيتم هذه الأصنام حقَّ الرؤية فَإنْ رأيتموها علمتم أنها لا تَصْلُحُ للإلهيَّةِ. والمقصود إبطال الشركاء وإثبات التوحيد.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم يعد من هذه الجملة ضمير على المفعول الأول؟
فالجَوابُ: أن قوله «وَلَهُ الأُنْثَى» في قوة: له هذه الأصنام وإن كان أصل التركيب ألكم الذكر وله هُنَّ أي تلك الأصنام.
وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأسَ فاصلةٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما فائدة الفاء في قوله: «أَفَرَأَيْتُمْ» وقد وردت في مواضعَ بغير فاء، كقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} و {أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ} ؟
فالجَوابُ: لما تقدم عظمة الله في ملكوته وأن رسوله إلى الرسل يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله وعزته قال: أَفَرَأَيْتُمْ هذه الأصنام مع ذلتها وحقارتها شركاء لله مع ما تقدم فقال بالفاء. أي عقيب ما سمعتم من عَظَمَةِ آياتِ الله الكبرى ونفادِ أمْرِهِ في الملأ الأعلى وما تحت الثَّرى انظروا إلى اللات والعزى تَعْلَمُوا فَسَادَ ما ذهبتم إليه.