فهرس الكتاب

الصفحة 1658 من 1771

{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(42)}

قال ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} ، قال: كرب وشدة.

وعن مجاهد: شدة الأمر وحده.

وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة.

وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه.

والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة.

وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم.

وقيل: عن ساق العرش.

وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج.

فصل في تأويل «الساق»

قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: «يكشف عن نوره عَزَّ وَجَلَّ» .

وروى أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله تعالى {عَنْ سَاقٍ} قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً.

وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟

فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟

قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار»، قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟

فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا.

قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت