فهرس الكتاب

الصفحة 1386 من 1771

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)}

قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: معنى قوله (سنريهم آياتنا في الآفاق) أي منازل الأمم الخالية، وفي أنفسهم بالبلاء والأمراض.

وقال قتادة: يعني وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر.

وقال مجاهد والحسن والسدي: ما يفتح الله من القُرى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين وفي أنفسهم: فتح مكة.

«فَإِنْ قِيلَ» : حمل الآية على هذا الوجه بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استولى على البلاد المحيطة بمكة ثم استولى على مكة إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً فإنا نرى بعض الكفار قد يستولي على بلاد المسلمين وعلى مولكهم، وهذا يدل على كونهم محقين؟

فالجَوابُ: أنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل يستدل به من حيث إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر عن أنه سيستولي عليها ويقهر أهلها، وهذا إخبار عن الغيب، وقند وقع مُخْبَره مطابقاً لخَبَرِهِ، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب فيكون معجزاً فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً.

وقال عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم، وآيات الليل والنهار، والأضواء، والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحمكة، في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] يعني نريهم هذه الدلائل {حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق} من عند الله يعني محمداً صلى لله عليه وسلم، وأنه مرسل من عند الله.

«فَإِنْ قِيلَ» : هذا الوجه ضعيف، لأن قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد أطلعهم علهيا قبل ذلك فيتعذر حمل اللفظ على هذا الوجه؟

فالجَوابُ: أن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب التي أَوْدَعَهَا الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب زماناً فزماناً؛ لأن كل أحد رأى بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التي أبدعها الله تعالى في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها كلَّما ازداد وقوفاً على تلك العجائب ازْدَاد يقينا وتعظيماً، وكذلك التركيبات الفلكية أيضاً.

والأولى أن يقال: إن كان المراد بقوله: {حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق} وهو الرسول فقول مجاهد أولى وإن كان المراد به الدين والتوحيد فهذا أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت