والحكمة في اختيار ضرب الرقبة دون غيرها من الأعضاء، لأن المؤمن هنا ليس بدافع، إنما هو مدافع وذلك لأن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولاً مقتله، بل يُتَدَرَّج ويُضْرَب غير المقتل فإن اندفع فذاك، ولا يرقى إلى درجة الإهلاك، فأخبر تعالى أنه ليس المقصود دفعهم عنكم بل المقصود دفعهم عن وجه الأرض بالكلية، وتطهير الأرض منهم، وكيف لا والأرض لكم مسجِد، والمشركون نَجَسٌ، والمسجدُ يُطَهَّرُ من النجاسة؟
فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولاً إلى قتلهم بخلاف دفع الصَّائل.
والرقبة أظهر المقاتل، لأن قطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت، بخلاف سائر المواضع ولا سيما فِي الحرب.
وفي قوله «لَقِيتُمْ» ما ينبئ عن مخالفتهم الصَّائل، لأن قوله: «لقيتم» يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا «لقيكم» ، ولذلك قال في غير هذا الموضع
{واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ} [النساء: 91] .
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الفائدة في قوله هاهنا: {فَضَرْبَ الرقاب} بإضمار الفعل وإظهار المصدر، وقال في الأنفال: {فاضربوا فَوْقَ الأعناق} [الأنفال: 12] بإظهار الفعل وترك المصدر؟
فالجَوابُ مبني على تقديم مقدَّمة، وهي أن المقصود في بعض الصور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر ضمناً؛ إذ لا يمكن أن يفعلَ فاعل إلا فاعل، فيطلب منه أن يفعل مثاله من قال: أنِّي حَلَفْتُ أن أخْرُج مَن المدينة، فيقال له: فاخْرج صار المقصود صدور الفِعْل منه والخروج في نفسه غير مقصود الابتعاد ولو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه أن لا يَخْرُج لكن في ضرورة الخروج أن يخرج.
فإذا قال قائل صادق: ضَاقَ بي المكانُ بسبب الأعداء فيقال مثلاً: الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب، حتى لو أمكن الخروج منغير فعل منه، لحصل الغرض لكنه محال فيعبته الفعل. وإذا عرف هذا فيقال: في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة، وهم كانوا فيها والملائكة أنزلوا للنّصرة، ومن حضر في صفِّ القتالِ، فصدور الفعل منه مطلوب. وهاهنا الأمر وارد ليس في وقتِ القِتال، بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ} والمقصود بيان كون المصدر مطلوباً لتقدم المأمُورِ على الفِعْل قال: {فَضَرْبَ الرقاب} .
وفي ذلك بيان فائدة أخرى، وهي أن الله تعالى قال هناك {واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] وذلِكَ لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى القتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل وهاهنا ليس وقت القتال. فبين أن المقصود القتل وغرض المسلم ذلك.