{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) }
الضَّمِير في «بَيْنَهُم» : إمَّا لليهُود خَاصَّة، وإمَّا لِجَمِيع المُتَحَاكِمين.
«فَإِنْ قِيلَ» : قالوا: هذه الآية نَاسِخَةٌ للتَّخْيِير في قوله: {فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ} [المائدة: 42] ، وأعَادَ ذِكْر الأمْر بالحُكْمِ بعد ذِكْرِه أوَّلاً: إما للتَّأكيد، وإمَّا لأنَّهما حُكْمَان أمَر بهما جَمِيعاً؛ لأنَّهمُ احْتَكموا إليه في زِنَا المُحْصَن، ثُمَّ احْتَكَمُوا إليه في قتلٍ كائنٍ فيهِم.
قوله تعالى: {واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما: يردُّوكَ إلى أهْوائِهِم.
وقد ذكرنا أنَّ اليهُود اجْتَمَعُوا وأرادُوا إيقاعَهُ في تَحْرِيفِ دينهِ فعصمَهُ اللَّه عن ذلك، فإن كلَّ من صُرِفَ من الحقِّ إلى الباطِلِ فقد فُتِن، ومنه قولُهُ تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] والفِتْنَةُ هاهنا: المَيْلُ عن الحقِّ والإلْقَاء في الباطِل، وكان - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يقول: «أعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا» ، قال: هو أن يَعْدِلَ عن الطَّرِيق.
قال العُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الخَطَأ والنِّسْيَان جائِزٌ على الرُّسُل؛ لأن الله قال: {واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} ، والتَّعَمُّد في مثل هذا غير جائز على الرُّسل فلم يَبْقَ إلا الخَطَأ والنسيان.