قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْء}
في المراد ب «الكتاب» قولان:
الأول: المُرَاد به اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»
وعلى هذا فالعموم ظاهرٌ، لأن الله - تعالى - أثْبَتَ ما كان وما يكون فيه.
والثاني: المراد به القرآن؛ لأنَّ الألف واللام إذا دخلا على الاسم المُفْرَدِ انْصَرَفَ إلى المفهوم السَّابق، وهو في هذه الآية القرآن.
وعلى هذا فهل العُمُومُ بَاقٍ؟
منهم من قال: نعم إن جميع الأشياء مُثْبَتَةٌ في القرآن إمَّا بالصريح، وإمَّا بالإيمَاءِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال الله تعالى: «ما فرّطنا في الكتاب من شيء» مع أنه ليس فيه تَفَاصيل علم الطب وعلم الحِسَاب، ولا تَفَاصِيلُ كثيرٍ من المباحثِ والعلوم، ولا تفاصيل مذاهبِ النَّاسِ، ودلائلهم في علم الأصولِ والفروع؟
والجواب أن قوله «ما فرطنا في الكتاب من شيء» يجب أن يكون مَخْصُوصاً ببيانِ الأشياءِ التي يجب مَعْرَفَتُهَا والإحَاطَةُ بها، واعلم أن علم الأصُول مَوْجُودٌ بتمامه في القرآن على أبْلَغِ الوجوه، وأما تفاصِلُ الأقاويل والمذاهب، فلا حاجة إليها.
وأمّا تفاصيل الفروع فالعُلَمَاءُ قالوا: إن القرآن دَلَّ على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حُجَّةٌ في الشريعة، وإذا كان كذلك فَكُلُّ ما دَلَّ عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن قال تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} [الحشر: 7] .
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عِلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بَعْدِي» .
وروي أن ابن مِسْعُودٍ كان يقول: «مَا لِي لاَ ألْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» يعني: الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ، والوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، وري أنَّ امرأة قرأت جميع القرآن ثم أتَتْهُ فقالت: يا ابن أمّ عَبْدٍ، تَلَوْتُ البارحة ما بين الدَّفَّتيْنِ، فلم أحد فيه لَعْنَ الواشمة، والمستوشمة، فقال: لو تَلَوْتيه لوجدْتيهِ، قال تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} [الحشر: 7] ، وإن مما أتانا به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن قال: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ» .
وقال ابن الخطيب: يمكن وجدانُ هذا المعنى في كتاب الله في قوله تعالى في سورة «النساء» حين عَدَّدَ قبائح الشيطان قال: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} [النساء: 119] فَظَاهِرُ هذه الآية يقتضي أن تغيير الخَلْقِ يوجب اللَّعْنَ.
وذكر الواحدي أن الشَّافعي جلس في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن شَيْءٍ إلاّ أجبتكم فيه من كتاب الله، فقال رجل: ما تقول في المُحْرِمِ إذا قتل الزَّنْبُورَ؟
، فقال: لا شَيْءَ عليه، فقال: أين هذا في كتاب الله؟
، فقال: قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ، ثم ذكر سَنَداً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بَعْدِي» ثم ذكر إسْنَاداً إلى عُمَرَ أنه قال: «لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزَّنْبُورِ» .
قال الواحديُّ: فأجابه من كتاب الله مُسْتنبطاً بثلاث درجات، وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في حديث العسيفِ:
«والَّذي نَفْسِي بِيدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ» ثم قضى بالجَلْدِ والتَّغْرِيبِ على العسيفِ، وبالرجم على المَرْأةِ إذا اعترافت.
قال الواحدي: وليس لِلْجَلْدِ والتَّغْريبِ ذكرٌ في نَصِّ الكتاب، وهذا يَدُلُّ على أن ما جاءكم به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فهو عَيْنُ كتاب الله. قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، وعند هذا يَصِحُّ قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْء} والله أعلم.
وقال بعضهم: إن هذا عامُّ أُرِيدَ به الخُصوصُ، والمعنى ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفُونَ.